مراجعات
لم يدم الزلزال الذي وقع فجر الثالث من أغسطس 2026، سوى لحظات، لكنها كانت كافية لأن تعيد عقارب الذاكرة 34 عامًا إلى الوراء، وتحديدًا ظهر الثاني عشر من أكتوبر 1992، حين كنت في العشرين من العمر، أقف على عتبة الحياة، أكثر مما أقف داخلها.
وبما أنه لا شيء في معترك الحياة يتحول إلى حقيقة ثابتة إلا بعد التجربة، فكان الشعور بين الزلزالين واحدًا، وإن بدا مختلفًا في تفاصيله، خصوصًا أن الأرض حين تهتز، لا توقظ فينا الخوف وحده، وإنما ما ترسب في أعماقنا من سنين مضت، ووجوه غابت، وأحلام تبدلت، وأوطان عبرت مسافات طويلة بين ما كان، وما هو كائن.
أربعة وثلاثون عامًا، تغيرت فيها خرائط القلب، لتمنحه عينًا ترى الحياة كما هي، لا كما كان يتخيلها، فيتراجع السؤال عن قوة الزلزال، وتتقدم أسئلة العمر، وتتحرك الذاكرة أيضًا، فتفتح دفاترها دفعة واحدة، لاستعادة الذكريات.
في الثاني عشر من أكتوبر 1992، كنت وقتها شابًا يافعًا في العشرين، بالسنة الرابعة في الجامعة، يظن أن الحياة طريق مستقيم لا يعرف الالتفافات، ويومها اهتزت الأرض، أما الآن في الثالث من أغسطس 2026، فقد أدركت أن الذي اهتز حقًا لم تكن الأرض، بل اليقين بأن كل شيء باقٍ على حاله.
أتصور أنه خلال هذه العقود لم يمر الزمن، بل مَرَّ العمر، في مدن لم أخطط للوصول إليها فأصبحت جزءًا من ذاكرتي، وأشخاص دخلوا حياتي فصاروا من أهل القلب، وآخرون عبروا سريعًا، لكنهم تركوا أثرًا لا تمحوه المسافات، كما وَدَّعت أحِبَّةً سبقونا إلى رحمة الله، لأتيقن بأن الغياب لا يُقاس بطول السنين، وإنما بالفراغ الذي يتركه الراحلون في أرواح من أحبوهم.
مع كل محطة طويتها، كانت الحياة تهدم في داخلي وَهْمًا، وتبني يقينًا، لتعلمني بأن الصداقة موقف، والخصومة تذبل كلما تقدم الإنسان بالعمر، وأن النجاح ليس قمة نصل إليها، بل طريقٌ تصنعه العثرات قبل الإنجازات.
خلال تلك السنوات، أيقنتُ أنه ما من سقوطٍ إلا وترك درسًا، وما من انكسارٍ إلا وصنع جزءًا من الصلابة التي نظن الآن أنها وُلدت معنا، لكن رحلة العمر تبدلت فيها ملامح العالم من حولنا أسرع مما تبدلت ملامحنا.
الآن، اتسعت المدن، واختُزل الكون في شاشة صغيرة، وتسابق الناس مع الوقت حتى كادوا ينسون الحياة نفسها، أما أبناء جيل السبعينيات فما زلنا نحمل في الذاكرة زمنًا كانت فيه الوجوه تُحفظ باللقاء، والكلمات تُقال بصدق، والعلاقات تُبنى بالحضور لا بالإشعارات.
أخيرًا.. حين عادت الأرض تهتز، لم أشعر بالخوف بقدر ما شعرت بالامتنان، إذ أدركتُ أن العمر ليس بِعَدِّ السنين، بل بعدد المرات التي خرجنا فيها من المِحَن أكثر حكمة، وبأعداد القلوب التي احتفظت لنا بمكان فيها، والأيادي التي امتدت إلينا وقت الحاجة إليها.
فصل الخطاب:
يقول «لوكيوس سينيكا» أحد أبرز فلاسفة القرن الأول: «ليس المهم أن تعيش طويلًا، بل أن تعيش حياةً ذات معنى».
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض