رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

حادث أسيوط ليس الأول ولن يكون الأخير:

قنابل موقوتة فى الشوارع

بوابة الوفد الإلكترونية

ارتفاع درجات الحرارة وانعدام الصيانة وزيادة الأحمال أهم أسباب الكوارث

تعويضات فى انتظار المتضررين بشرط التوثيق ومحاضر الشرطة

خبراء: تركيب أنظمة إطفاء أوتوماتيكية ضرورة.. والوقاية خير من العلاج

 

لم يكن سكان منطقة الوليدية بمحافظة أسيوط يتوقعون أن يتحول يوم صيفى عادى إلى لحظات من الخوف والارتباك، بعدما تصاعدت ألسنة النيران من أحد أكشاك ومحولات الكهرباء بالمنطقة، ليصبح المشهد فى دقائق سباقاً مع الوقت بين انتشار الحريق ووصول فرق الإنقاذ، أصوات الأهالى المتوترة، وحركة سيارات الإطفاء، ومحاولات إبعاد المارة عن موقع الخطر، مشاهد رسمت صورة جديدة لمعاناة ترتبط بفصل الصيف كل عام وهى «حرائق أكشاك الكهرباء».

فمع دخول أشهر الصيف وارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية، تتحول بعض أكشاك الكهرباء القريبة من المنازل والمحال التجارية إلى نقاط شديدة الحساسية، حيث تعمل المعدات لساعات طويلة تحت ضغط متزايد نتيجة ارتفاع معدلات استهلاك التيار الكهربائى، ما يجعل أى عطل بسيط قابلاً للتحول إلى حريق إذا لم يتم اكتشافه والتعامل معه سريعاً، حيث لم تكن واقعة أسيوط حالة منفردة، فقد شهدت مناطق أخرى حوادث مشابهة، كان آخرها اندلاع حريق داخل غرفة كهرباء بأحد العقارات بحى بولاق الدكرور فى الجيزة.

أسباب عديدة

البداية كانت مع الدكتور رأفت الخطيب، أستاذ البيئة والأمن والسلامة وإدارة الأزمات، الذى قال إن حرائق كبائن وأكشاك الكهرباء التى تشهدها بعض المناطق بين الحين والآخر لا يمكن إرجاعها إلى سبب واحد، وإنما هى نتيجة تفاعل عدة عوامل فنية وبيئية وتشغيلية، مشيراً إلى أن أكثر الأسباب شيوعاً تتمثل فى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تتجاوز القدرة التصميمية للمحولات والكابلات، وحدوث دوائر قصر كهربائى نتيجة تلف مواد العزل أو وجود وصلات غير آمنة، فضلاً عن تراكم الأتربة والرطوبة داخل الكبائن، وهو ما قد يؤدى إلى ارتفاع درجات الحرارة وحدوث شرر كهربائى يتسبب فى اندلاع الحريق.

وأضاف أن ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف يمثل عاملاً مساعداً وليس سبباً مباشراً، موضحاً أن الموجات الحارة تؤدى إلى زيادة استهلاك الكهرباء بسبب الاستخدام المكثف لأجهزة التكييف والتبريد، وهو ما يرفع الأحمال على الشبكة والمحولات، مشيراً إلى أن المعدات الكهربائية إذا كانت قديمة أو غير خاضعة للصيانة الدورية، فإن احتمالات تعرضها للأعطال والحرائق تصبح أكبر، أما إذا كانت الشبكة مطابقة للمواصفات الفنية وتخضع للفحص والصيانة المنتظمة، فإنها تكون أكثر قدرة على تحمل الظروف المناخية القاسية.

وأكد «الخطيب» أن تكرار حرائق أكشاك الكهرباء فى منطقة معينة يستدعى إجراء مراجعة فنية شاملة، لأن تكرار الحوادث قد يشير إلى وجود خلل فى منظومة الصيانة الوقائية أو تأخر فى تنفيذ برامج الإحلال والتجديد للمكونات التى انتهى عمرها الافتراضى، موضحاً أن الصيانة الوقائية لا تقتصر على إصلاح الأعطال بعد وقوعها، وإنما تعتمد على الفحص الدورى وقياس كفاءة المحولات والكابلات والقواطع وأجهزة الحماية، واكتشاف أى مؤشرات مبكرة للتلف قبل أن تتحول إلى حادث يهدد الأرواح والممتلكات.

وأشار إلى أن معايير السلامة داخل الكبائن الكهربائية أصبحت تعتمد على منظومة متكاملة تشمل استخدام معدات معتمدة ذات جودة عالية، وتوفير قواطع كهربائية وأنظمة حماية ضد زيادة الأحمال وقصر الدائرة، مع ضمان وجود تهوية مناسبة لتقليل ارتفاع درجات الحرارة داخل الكشك، بالإضافة إلى إحكام غلق الكبائن لمنع دخول الأشخاص غير المختصين أو العبث بالمكونات الداخلية، ووضع لوحات تحذيرية واضحة تنبه المواطنين إلى خطورة الاقتراب منها.

وأضاف أن التطور التكنولوجى أتاح إمكانية تركيب أنظمة للكشف المبكر عن الدخان أو ارتفاع درجات الحرارة داخل الكبائن الكهربائية، كما يمكن فى المواقع الحيوية تركيب أنظمة إطفاء أوتوماتيكية مخصصة للتعامل مع الحرائق الكهربائية باستخدام غازات أو مواد لا تؤثر فى المعدات ولا تشكل خطراً على الشبكة، مشيراً إلى أن هذه الأنظمة تساعد فى السيطرة على الحريق فى مراحله الأولى، ما يقلل حجم الخسائر ويمنع امتداد النيران إلى المنشآت المجاورة.

وشدد «الخطيب» على أن وعى المواطنين يمثل عنصراً مهماً فى الحد من مخاطر هذه الحوادث، موضحاً أن أول إجراء يجب اتخاذه عند مشاهدة كشك كهرباء يحترق هو الابتعاد عن موقع الحريق لمسافة آمنة، ومنع الآخرين من الاقتراب، ثم إبلاغ شركة الكهرباء والحماية المدنية فوراً، مؤكداً أن محاولة إطفاء الحريق باستخدام المياه أو الاقتراب من الكابلات أو فتح باب الكشك تمثل أخطاء بالغة الخطورة، لأن التيار الكهربائى قد يكون ما زال متصلاً بالمعدات، وهو ما قد يؤدى إلى التعرض للصعق الكهربائى أو تفاقم الحريق.

وأوضح أن من الأخطاء الشائعة أيضاً تجمع المواطنين حول موقع الحادث بدافع الفضول، أو محاولة تصوير الحريق من مسافات قريبة، أو إيقاف سياراتهم بجوار الكشك، لأن ذلك قد يعيق وصول فرق الطوارئ ويعرضهم للخطر إذا وقع انفجار بالمحول أو تطايرت أجزاء من المعدات نتيجة ارتفاع الضغط والحرارة.

وأكد الخطيب أن العمر الافتراضى للمحولات والكابلات يعد من أهم العوامل المؤثرة فى كفاءة الشبكة الكهربائية ومستوى السلامة. فمع مرور السنوات تتعرض مواد العزل للتآكل نتيجة الحرارة والرطوبة والإجهاد الكهربائى المستمر، كما تتراجع كفاءة المحولات فى تحمل الأحمال المرتفعة، ما يزيد احتمالات حدوث ماس كهربائى أو ارتفاع غير طبيعى فى درجات الحرارة. لذلك فإن الالتزام ببرامج الإحلال والتجديد، وعدم تشغيل المعدات بعد انتهاء عمرها الفنى، يمثلان ضرورة للحفاظ على استقرار الشبكة وتقليل مخاطر الحرائق

المسئولية القانونية

تساؤلات عديدة تتبادر إلى الأذهان فور قراءة حادث حريق فى كشك كهرباء، منها: من يتحمل المسئولية القانونية خاصة أن هذه الأكشاك تقع داخل المناطق السكنية؟، وما هى الحقوق القانونية للمواطن إذا تسبب حريق كشك كهرباء فى إتلاف منزله أو سيارته أو متجره؟

وقالت دنيا إبراهيم، الخبيرة القانونية، إن حوادث اندلاع الحرائق داخل أكشاك أو كبائن الكهرباء فى المناطق السكنية تخضع لتقييم قانونى دقيق، ولا يمكن اعتبارها جميعاً من قبيل القوة القاهرة، موضحة أن تحديد المسئولية يتوقف على أسباب الحريق وما إذا كان هناك تقصير أو إهمال من الجهة المسئولة عن تشغيل وصيانة مرفق الكهرباء.

وقالت «إبراهيم» إن القانون يفرق بين الحادث المفاجئ الذى لا يمكن توقعه أو منعه رغم اتخاذ كل إجراءات الحيطة، وبين الحادث الناتج عن إهمال أو تقصير فى أداء الواجبات، مشيرة إلى أن وجود عيوب فى أعمال الصيانة، أو تأخر إصلاح الأعطال، أو عدم الالتزام باشتراطات السلامة، قد يؤدى إلى قيام مسئولية قانونية على الجهة المختصة، باعتبار أن الحفاظ على سلامة المرافق العامة وحماية المواطنين من المخاطر يمثل التزاماً قانونياً.

وأوضحت أن شركات توزيع الكهرباء تتحمل مسئولية كبيرة فيما يتعلق بأعمال المتابعة والصيانة الدورية للشبكات والكبائن والمحولات، مشيرة إلى أن طبيعة هذا المرفق الحيوى تفرض ضرورة وجود برامج مستمرة للفحص الفنى، والكشف عن الأعطال قبل تحولها إلى حوادث تهدد الأرواح والممتلكات.

وأضافت الخبيرة القانونية أن مسئولية الشركة لا تعنى افتراض الخطأ بشكل تلقائى عند وقوع الحريق، وإنما يجب إثبات وجود علاقة بين الضرر الذى أصاب المواطن وبين وجود تقصير أو إهمال أدى إلى وقوع الحادث. ويتم ذلك من خلال التقارير الفنية ومحاضر الجهات المختصة وتحقيقات النيابة وتقارير المعاينة التى تحدد أسباب الحريق.

حقوق المواطنين

وفيما يتعلق بحقوق المواطنين المتضررين، أكدت دنيا إبراهيم أن المواطن الذى يتعرض منزله أو سيارته أو متجره للتلف نتيجة حريق فى كشك كهرباء له الحق فى المطالبة بالتعويض عن الأضرار التى لحقت به، سواء كانت أضراراً مادية مثل تلف الممتلكات، أو أضراراً أخرى إذا ترتب على الحادث إصابات أو خسائر إضافية.

وأشارت إلى أن الحصول على التعويض يتطلب اتخاذ مجموعة من الإجراءات القانونية، تبدأ بتحرير محضر رسمى بالواقعة فور حدوثها، وإثبات حجم الأضرار من خلال المعاينات والتقارير الفنية، ثم التقدم بالمستندات التى تثبت قيمة الخسائر، سواء من خلال اللجوء إلى الجهات المختصة أو إقامة دعوى قضائية للمطالبة بالتعويض.

وشددت على أهمية احتفاظ المواطنين بكل ما يثبت وقوع الضرر، موضحة أن المستندات المهمة تشمل صورة من محضر الشرطة أو محضر الحريق، وتقارير الحماية المدنية أو الجهات الفنية، وصوراً للأضرار التى لحقت بالممتلكات، وفواتير شراء الأجهزة أو الممتلكات التالفة إن وجدت، إلى جانب أى مستندات أخرى تساعد فى تقدير قيمة الخسائر.

ولفتت إلى أن بعض المواطنين يقعون فى خطأ التعامل مع هذه الحوادث باعتبارها مجرد أعطال عابرة، دون توثيق الأضرار بشكل رسمى، وهو ما قد يصعب عليهم لاحقاً إثبات حقوقهم أمام الجهات المختصة. وأكدت أن سرعة الإبلاغ وجمع الأدلة يمثلان عنصرين أساسيين فى حماية حق المتضرر.

كما أوضحت أن مسئولية الجهات القائمة على المرافق العامة لا تقتصر على إصلاح الأعطال بعد وقوعها، وإنما تشمل اتخاذ إجراءات الوقاية وتقليل احتمالات الخطر، خاصة فى المناطق السكنية التى تكون فيها كبائن الكهرباء قريبة من المنازل والمحال التجارية.

خسائر اقتصادية

من الناحية الاقتصادية قال الدكتور السيد خضر، أستاذ الاقتصاد واقتصاد الطاقة، إن حرائق أكشاك وكبائن الكهرباء لا تقتصر آثارها على الخسائر الفنية أو تعطل الخدمة، وإنما تمتد لتشكل عبئاً اقتصادياً مباشراً وغير مباشر على شركات الكهرباء والاقتصاد الوطنى، موضحاً أن كل حادث حريق يترتب عليه تكاليف متعددة تشمل إصلاح أو استبدال المحولات والكابلات والمعدات المتضررة، بالإضافة إلى تكاليف انتقال فرق الطوارئ والصيانة وإعادة تشغيل الشبكة فى أسرع وقت ممكن.

وأضاف أن الخسائر الاقتصادية لا تقتصر على قيمة المعدات التى تعرضت للتلف، بل تشمل أيضاً تكلفة انقطاع التيار الكهربائى عن المنازل والمنشآت التجارية والصناعية، إذ يؤدى توقف الكهرباء إلى تعطيل الإنتاج فى بعض المصانع، وتأثر الأنشطة التجارية والخدمية، وهو ما ينعكس على حجم الإنتاج والدخل، خاصة إذا استمر الانقطاع لفترات طويلة أو تكرر فى المناطق نفسها.

وأوضح «خضر» أن تكرار حرائق الأكشاك الكهربائية قد يكون مؤشراً اقتصادياً على ضرورة زيادة الاستثمارات الموجهة إلى الصيانة الوقائية وبرامج الإحلال والتجديد، لأن الإنفاق على الوقاية عادة ما يكون أقل تكلفة من معالجة آثار الأعطال بعد وقوعها. وأشار إلى أن الدراسات الاقتصادية فى إدارة المرافق تؤكد أن الصيانة الاستباقية تسهم فى إطالة العمر التشغيلى للأصول، وتقليل معدلات الأعطال، ورفع كفاءة استغلال الموارد المالية.

واختتم الدكتور السيد خضر حديثه بالتأكيد على أن الاستثمار فى تحديث البنية التحتية الكهربائية، وتطبيق برامج الصيانة الوقائية، واستخدام أنظمة المراقبة الذكية لا ينبغى النظر إليه باعتباره تكلفة إضافية، بل باعتباره استثماراً اقتصادياً يحد من الخسائر المستقبلية، ويحافظ على استقرار إمدادات الكهرباء، ويدعم استدامة النمو الاقتصادى وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين.