كم مرة يسمع ويشاهد ويقرأ المواطن تصريحات رسمية، ثم يفاجأ بعد ذلك بقرارات جاءت على النقيض منها؟
لم يعد هذا السؤال مجرد انطباع أو حالة غضب عابرة، بل أصبح يتردد على ألسنة كثير من المواطنين، بعدما تكررت المفاجآت، وأصبحت التصريحات شيئًا، والواقع شيئًا آخر ، وهنا لا تكون المشكلة فى القرار وحده، وإنما فى الثقة التى تتآكل مع كل وعد لا يتحقق، ومع كل تصريح يخالفه الواقع.
فإذا كانت الحكومة تطلب من المواطن أن يثق فى قراراتها، فإن أول واجباتها أن تحافظ على مصداقية تصريحاتها، لأن الثقة إذا اهتزت، فلن يكون من السهل استعادتها.
وخلال الأيام الماضية، لم يكن الغضب الشعبى بسبب زيادة أسعار الكهرباء وفقط، وإنما لأن الحكومة سبق أن أعلنت عدم زيادة الأسعار حتى نهاية السنة الميلادية، ثم جاءت القرارات بعكس ما قيل للمواطنين.
وهنا لا تصبح القضية مجرد زيادة فى فاتورة الكهرباء، وإنما تتحول إلى أزمة ثقة، لأن المواطن يتساءل: إذا كانت التصريحات الرسمية يمكن أن تتغير بهذه السرعة، فكيف يمكنه أن يثق فيما يقال له بعد اليوم؟
إن احترام عقل المواطن لا يقل أهمية عن أى قرار اقتصادى، فالناس قد تتحمل الظروف الصعبة إذا وجدت الصراحة والوضوح، لكنها ترفض أن تفاجأ بقرارات تخالف ما أعلنته الحكومة بنفسها.
وللأسف، لم تكن الكهرباء المثال الوحيد، فقد فوجئ ملايين المواطنين من قبل بوقف بطاقاتهم التموينية أو حذف مستفيدين منها دون سابق إنذار أو حوار مجتمعى حقيقى، ليجد المواطن نفسه أمام قرار يمس حياته اليومية، ثم يترك وحده يبحث عن حلول وإجراءات لاستعادة حقه.
وقبلها، أزمة أصحاب المعاشات بسبب تغيير السيستم الجديد داخل الهيئة القومية للتأمين الاجتماعى، دون أن يتم إشراك أصحاب المعاشات فى القرار أو حتى الاستماع إلى آرائهم، وما زالت تداعيات تلك الأزمة مستمرة حتى الآن رغم الوعود المتكررة بحلها.
هذه ليست قضية كهرباء، ولا تموين، ولا معاشات فقط، وإنما أصبحت قضية منهج فى إدارة القرارات التى تمس حياة ملايين المواطنين.
إن أخطر ما قد تواجهه أى حكومة ليس غضب المواطنين من قرار اقتصادى، وإنما فقدان ثقتهم فى تصريحاتها، فالقرار قد يمر، أما الثقة إذا اهتزت، فإن استعادتها تحتاج إلى سنوات .
فالحكومات لا تُقاس فقط بما تصدره من قرارات، وإنما أيضًا بمدى احترامها لما تعلنه من وعود وتعهدات أمام المواطنين، وعندما تتكرر الفجوة بين التصريحات والواقع، فمن الطبيعى أن تتراجع الثقة، وأن يصبح كل تصريح جديد محل تساؤل وتشكيك.
والمواطن لا يطلب المستحيل، ولا يرفض الإصلاح إذا كان ضروريًا، لكنه يرفض أن يكون آخر من يعلم، وأول من يدفع الثمن، يريد أن يشعر بأن الدولة تصارحه بالحقيقة، وأن كلمتها محل احترام، وأن ما يعلن اليوم لن يتغير غدًا دون تفسير أو مصارحة.
إن بناء الثقة لا يكون بالشعارات، وإنما بالمصداقية والشفافية واحترام الكلمة، فالمواطن قد يختلف مع القرار، لكنه يحترم من يصارحه به، أما حين تتناقض التصريحات مع الواقع، فإن الأزمة تصبح أكبر من أى زيادة فى الأسعار، لأنها تمس العلاقة بين الدولة والمواطن.
إذا كانت الثقة بين المواطن والحكومة قد اهتزت إلى هذا الحد، وإذا أصبحت التصريحات شيئًا والقرارات شيئًا آخر، فهل توقفت الحكومة يومًا لتراجع نفسها؟ وهل فكرت فى تحمل مسؤوليتها السياسية؟
ففى كل دول العالم، حين تتراجع الثقة بين الحكومة والشعب يصبح تحمل المسؤولية السياسية أمرًا مطروحًا للنقاش، لأن بقاء أى حكومة لا يقاس فقط بما تتخذه من قرارات، وإنما أيضًا بقدرتها على الحفاظ على ثقة مواطنيها.
ويبقى السؤال المهم فهل فكرتم يومًا فى الاستقالة... لعل من يأتى بعدكم يستطيع أن يلحق بالركب، ويعيد للمواطن الثقة التى أصبحت اليوم أغلى من أى قرار؟
استقيموا يرحمكم الله.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض