رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

 

رحبت الحكومة  بتقرير المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي و قراره  استكمال المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد، واعتبرت أن القرار يعكس استمرار ثقة المؤسسات الدولية في مسار الإصلاح الاقتصادي الذي تنفذه الدولة. كما أشاد التقرير بعدد من المؤشرات الإيجابية، منها ارتفاع معدل النمو، وتحسن أداء القطاع الخارجي، وزيادة الاحتياطيات الدولية، وتحقيق فائض أولي في الموازنة العامة.

ولا شك أن هذه المؤشرات تحمل دلالات إيجابية على مستوى الاقتصاد الكلي، وأن استعادة ثقة المؤسسات الدولية تمثل عنصرًا مهمًا في جذب الاستثمارات والحصول على التمويل. لكن يبقى السؤال الذي لا يمكن تجاهله: إذا كان الاقتصاد يحقق كل هذه النجاحات، فلماذا لا يشعر المواطن بها؟

الإجابة ليست في إنكار ما تحقق، ولا في التقليل من أهمية الإصلاح الاقتصادي، وإنما في فهم الفارق بين اقتصاد تتحسن مؤشراته، ومواطن لم تتحسن معيشته بالقدر نفسه.

لقد كان المواطن المصري هو الطرف الذي تحمل النصيب الأكبر من تكلفة الإصلاح. فمنذ تحرير سعر الصرف، تعرض الجنيه لانخفاض كبير في قيمته، وهو ما انعكس على تكلفة الاستيراد، ثم انتقل إلى أسعار السلع والخدمات كافة. ومع كل موجة تضخم، كانت القوة الشرائية للأجور تتراجع، وأصبحت الأسرة المصرية تواجه تحديًا يوميًا في الحفاظ على مستوى معيشتها.

ورغم الجهود الحكومية في توسيع برامج الحماية الاجتماعية وزيادة الدعم للفئات الأكثر احتياجًا، فإن تأثير ارتفاع الأسعار كان أسرع وأوسع من قدرة هذه الإجراءات على تعويض المواطنين بالكامل. لذلك، لم يكن غريبًا أن يشعر كثير من المصريين بأنهم دفعوا فاتورة الإصلاح، بينما لم تصلهم ثماره بعد.

وهنا تكمن المفارقة. فالمؤسسات الدولية تنظر إلى معدلات النمو، والاحتياطيات، والانضباط المالي، والإصلاحات الهيكلية، وهي مؤشرات ضرورية لقياس قوة الاقتصاد. أما المواطن، فينظر إلى سعر الخبز، وفاتورة الكهرباء، وثمن الدواء، وتكلفة تعليم أبنائه، وقدرته على ادخار جزء من دخله. وبين المقياسين تتسع فجوة الإحساس بالنجاح.

الحقيقة أن نجاح الاقتصاد الكلي لا يعني بالضرورة أن المواطن سيشعر بالتحسن في الوقت نفسه. ففي كثير من التجارب، تظهر نتائج الإصلاح على المؤشرات أولًا، بينما يحتاج انعكاسها على مستوى المعيشة إلى وقت أطول، وإلى نمو يقوده الإنتاج والاستثمار، ويخلق فرص عمل حقيقية، ويرفع الدخول بصورة تتجاوز معدلات التضخم.

ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام الحكومة لم يعد فقط الحفاظ على إشادة صندوق النقد الدولي، وإنما تحويل هذه الإشادة إلى واقع يلمسه المواطن في حياته اليومية. فنجاح الإصلاح لا يكتمل إلا عندما تنخفض الضغوط المعيشية، وتستقر الأسعار، وتتحسن القوة الشرائية، ويشعر المواطن بأن تضحياته لم تذهب هباءً.

لا أحد يختلف على أن إصلاح الاقتصاد كان ضرورة لمعالجة اختلالات تراكمت عبر سنوات طويلة، لكن أي إصلاح اقتصادي يظل مشروعًا غير مكتمل إذا اقتصر نجاحه على المؤشرات المالية، ولم ينعكس بصورة واضحة على حياة الناس.

في النهاية، قد تنجح الحكومات في تحقيق مستهدفاتها الاقتصادية، وقد تحصل على إشادات من المؤسسات الدولية، لكن الحكم الأخير لا تصدره التقارير، بل يصدره المواطن. فهو وحده القادر على أن يقول إن الإصلاح نجح، عندما يشعر أن حياته أصبحت أفضل، وأن دخله أصبح يكفي احتياجاته، وأن المستقبل يحمل له ولأبنائه فرصًا حقيقية.

وحتى يتحقق ذلك، سيبقى السؤال حاضرًا، وستبقى المفارقة قائمة: حين ينجح الاقتصاد... هل يجوز أن يرسب المواطن؟