رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

محطة لقاء

هناك فارق كبير بين مؤتمر ينتهى بمجرد التقاط الصورة التذكارية، وآخر تبدأ قيمته الحقيقية بعد إسدال الستار عليه. وهذا هو الفارق الذى صنعته القاهرة وهى تستضيف النسخة الحادية عشرة من أسبوع أفريقيا والمحيط الهندى للطيران المدنى.. خمسة أيام من الاجتماعات والنقاشات قد تبدو، للبعض، مجرد حدث بروتوكولى يضاف إلى أجندة المؤتمرات الدولية. لكن من يتابع حركة صناعة النقل الجوى يدرك أن ما جرى فى القاهرة كان أكبر بكثير من مؤتمر، لأنه كان محاولة جادة لإعادة ترتيب أولويات الطيران المدنى فى قارة تمتلك كل مقومات النمو، لكنها لا تزال تبحث عن آليات الانطلاق.

<< العالم لا ينتظر أحدًا. صناعة الطيران تتغير كل يوم، والذكاء الاصطناعى يدخل غرف العمليات، والطائرات تصبح أكثر كفاءة، والمطارات تتحول إلى مدن ذكية، بينما أصبحت الاستدامة البيئية والأمن السيبرانى شرطين أساسيين للاستمرار فى المنافسة. وفى ظل هذه التحولات، لم يعد مقبولًا أن تتحرك الدول الأفريقية فرادى، لأن التحديات أكبر من أن تواجهها دولة بمفردها.. من هنا جاءت أهمية الرسالة التى خرج بها المؤتمر: التكامل قبل المنافسة.

<< فالوثيقة الختامية لم تكن بيانًا دبلوماسيًا مليئًا بالعبارات الإنشائية، وإنما خارطة طريق تحمل أولويات واضحة؛ تطوير البنية الأساسية، وتحديث الملاحة الجوية، وتعزيز السلامة والأمن، والتحول الرقمى، وبناء الإنسان، وحشد التمويل، وتسريع تنفيذ السوق الأفريقية الموحدة للنقل الجوى.. وأعتقد أن أهم ما جاء فى هذه الوثيقة أنها أعادت الإنسان إلى قلب معادلة التطوير. فمن السهل شراء طائرة حديثة، لكن من الصعب إعداد الكفاءات القادرة على تشغيلها وإدارة منظومتها بكفاءة. ولهذا جاء التركيز على التدريب وبناء القدرات باعتباره استثمارًا فى المستقبل، لا بندًا ثانويًا فى جدول الأعمال.

<< وسط هذه الصورة، بدا الدور المصرى مختلفًا. لم تكن مصر مجرد دولة فتحت قاعاتها لاستقبال الوفود، وإنما قدمت نفسها شريكًا فى صناعة الحلول. فالكلمة التى ألقاها الدكتور سامح الحفنى لم تتوقف عند الاحتفاء بنجاح التنظيم، بل انطلقت نحو سؤال أكثر أهمية: كيف تتحول التوصيات إلى واقع؟.. وهذا هو السؤال الذى يجب أن يشغل الجميع.

فكم من مؤتمرات خرجت بوثائق رائعة، ثم بقيت حبيسة الأدراج، وكم من توصيات صيغت بعناية، لكنها اصطدمت بضعف التمويل أو غياب الإرادة أو بطء التنفيذ!.

<< الرهان هذه المرة مختلف، لأن أفريقيا لم تعد تملك رفاهية التأجيل. فالقارة هى الأسرع نموًا فى الطلب على النقل الجوى خلال العقود المقبلة، لكنها ما زالت الأقل استفادة من هذا النمو. وهذه المفارقة لن تنتهى إلا إذا تحولت الاتفاقات إلى سياسات، والسياسات إلى مشروعات، والمشروعات إلى نتائج يشعر بها المواطن الأفريقى قبل شركات الطيران.

ولعل أكثر الرسائل دلالة كانت إشادة الأمين العام لمنظمة الطيران المدنى الدولى بما قدمته القاهرة. فمثل هذه الإشادة لا تعنى نجاحًا تنظيميًا فحسب، وإنما تعكس مكانة مصر داخل منظومة الطيران العالمية، وقدرتها على جمع الفرقاء حول رؤية مشتركة، وهو ما يعزز حضورها كدولة مؤثرة فى صناعة القرار، لا مجرد مشارك فيه.

<< خلاصة اللقاء

لقد أثبتت القاهرة أن القيادة لا تُفرض بالشعارات، وإنما تُكتسب بالقدرة على جمع الرؤى، وبناء التوافقات، وتحويل الحوار إلى خطة عمل.. ويبقى التحدى الحقيقى بعد أن غادرت الوفود وعادت الطائرات إلى عواصمها.. هل تبدأ مرحلة التنفيذ بنفس الحماس الذى شهدته قاعات المؤتمر؟.. إذا كانت الإجابة نعم، فإن القاهرة لن تكون قد استضافت مؤتمرًا ناجحًا فحسب، بل ستكون قد شاركت فى كتابة فصل جديد من تاريخ الطيران المدنى الأفريقى.. وهنا تحديدًا تكمن قيمة الحدث.. فالمؤتمرات تنتهى، أما الرؤى الصادقة فهى التى تواصل التحليق.