رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

هل تعرف حضرتك أن هنا فى مصر قرى عابرة للحدود وإمبراطوريات تصديرية فى ريف مصر، فى قلب القرى المصرية لم ينتظر الناس خططاً تنموية معقدة أو دراسات جدوى نظرية بل صنعوا بفطرتهم الاقتصادية وشغفهم الإنتاجى إمبراطوريات تصديرية متخصصة تدر ملايين الدولارات.

وفى وسط الدلتا نجد قرية شبرا بلولة بمركز بسيون بمحافظة الغربية تقود شبكة لتزويد كبرى شركات العطور فى فرنسا وسويسرا بكمية هائلة من عجينة الياسمين وسوائل العطريات، حيث يخوض أهلها سباقاً مع الزمن كل فجر لجنى اللؤلؤ الأبيض قبل أن تمسّه أشعة الشمس وتتبخر زيوتها الثمينة. وعلى وقع طنين ملايين النحل فى المناحل قريتى حصة شبشير وشبشير الحصة التابعتين لمركز طنطا والتى تحولت إلى قلاع حقيقية لتربية النحل وإنتاج العسل الأبيض الحيوى، بل وتصدير الملايين من طرود النحل والملكات سنوياً لغزو أسواق الشرق الأوسط وأوروبا.

أما فى محافظة الدقهلية نجد قريتى طنامل وقرية سلامون القماش والتى تخصصتا فى صناعة الملابس الجاهزة وقريبا منهما نجد قرية محلة ابوعلى التابعة لمركز المحلة الكبرى والتى تميزت بحرفة تطريز المنسوجات

فى عمق الصعيد، أولاً مملكة للذهب الأسود وأنه فى الوقت الذى تتجه فيه الأنظار نحو صخب الصفقات الاستثمارية الكبرى والبيانات الصحفية الرنانة تدور فى خفاء الريف المصرى واحدة من أكثر القصص الاقتصادية إثارة وذهولاً قصص لا تُكتب فى غرف الاجتماعات المكيفة، بل تُصنع مع بخار غلايات العسل الأسود التى لا تتوقف فى قرية أولاد نجم وقرية المحارزة وقرية أبوحزام بمركز نجع حمادى وقرية أبومناع وقرى فاو بمركزى دشنا وقوص بقنا وبمحافظة المنيا نجد مركز ملوى بقرية تندة وهى من اكبر قرى الصعيد فى اعتصار القصب وتصدير العسل الأسود ومركز دير مواس. تقف قرى المنيا وقنا كقلوع صامدة تحتضن مصانع العسل الأسود التراثية.

نجد أيضاً صيدليات مفتوحة للسماء قرى بأكملها فى بنى سويف والفيوم تُزرع بالكامل بالبردقوش والبابونج والنعناع، لتُجفف وتُصدر وفق معايير جودة صارمة لتتحول إلى مواد خام لأعتى شركات الأدوية العالمية.

وأيضاً نجد ممالك الألبان والأجبان قرى فى دمياط والغربية والشرقية وقرية البرشا بمحافظة المنيا الذى تحول كل بيت فيها إلى ورشة خفية أو معمل للإنتاج، تصنع أجود أنواع الأجبان التى تعبر الحدود لتغذى الأسواق العربية.

​إن الحديث عن إطلاق وتطوير مشروع القرى المنتجة فى مصر لا ينبغى أن يبدأ من الصفر ولا يتطلب إعادة اختراع العجلة، بل يستوجب الذكاء التنفيذى للتعامل مع مناجم ذهب قائمة بالفعل نحن لا ننقب عن المستحيل بل نمتلك كنوزاً حقيقية تحتاج فقط إلى من يرفع عنها غبار العشوائية وينقلها إلى منصات التسويق الدولى الحديث.

​الروشتة المطلوبة كيفية تحويل الجهد الفردى لهؤلاء المجتهدين إلى قوة اقتصادية ضاربة؟

​ورغم كل هذا الإبهار، تعانى هذه القرى من مشكلات تجعلها تعمل بأقل من طاقتها القصوى وتترك أرباحها الحقيقية فى أيدى السماسرة والوسطاء إننا بحاجة فعلا إلى استراتيجية العناق الاقتصادى عبر خطوات جادة فيجب نقلهم من اقتصاد بير السلم إلى الاقتصاد الرسمى بطرق وامتيازات ضريبية حقيقية والعمل على حل مشاكلهم مع المحليات وشركات الكهرباء.

لذلك يجب التفكير بدلاً من تصدير عجينة الياسمين أو العسل الخام، فيجب دعم هذه القرى بتكنولوجيا الاستخلاص، والتعبئة المعيارية، والتصنيع النهائى.

وتدريبهم على الاعتماد والتكويد الدولى وتزويد هذه القرى بمكاتب حجر زراعى وبيطرى ومختبرات جودة لتسهيل الحصول على شهادات الجودة العالمية والإنتاج الخالى من المبيدات، مما يفتح لها أبواب التصدير المباشر.

​و إنشاء منصات تصديرية موحدة لكل تكتل إنتاجى، تحمى المزارع والصانع الصغير من جشع الوسطاء وتضمن له هامش ربح يدفعه للاستمرار والتطوير.

​وتوجيه القروض الميسرة لشراء الآلات الحديثة كالغلايات المتطورة، وفرازات العسل الحديثة، وأجهزة التجفيف الشمسية مع تحسين شبكات الطرق والكهرباء والمياه المؤدية لهذه القرى.

​إن القرية المنتجة هى محرك نمو اقتصادى وورقة رابحة لزيادة الحصيلة الدولارية للدولة وإن الاستثمار فى قرية تنتج بالفعل هو الاستثمار الأكثر أماناً والأسرع عائداً.

لقد أثبت المزارع والمنتج المصرى أنه قادر على منافسة الأسواق العالمية بأقل الإمكانيات.. ودورنا الآن هو أن ننتقل به من «دهاء المصادفة» إلى «عظمة التدبير والتطوير المؤسسى.