رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

الراوى

«ليست كل الحكايات للتسلية… بعضها مرآة، نرى فيها ما لا نحب أن نراه»

فى كل عام، تتجه أنظار ملايين المصريين إلى لحظة إعلان نتيجة الثانوية العامة، وكأنها الحدث الذى تتوقف عنده الحياة، فتتبدل ملامح البيوت بين فرحة غامرة ودموع صامتة، وتتحول الدرجات إلى حديث المجالس ووسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعى. وبين كل ذلك، يغيب عن كثيرين أن هذه النتيجة، مهما بلغت أهميتها، ليست سوى محطة فى رحلة طويلة اسمها الحياة.

لقد نجح المجتمع، من حيث لا يدرى، فى صناعة صورة ذهنية تجعل الثانوية العامة أشبه ببوابة العبور الوحيدة إلى المستقبل، حتى أصبح الطالب يشعر بأن مستقبله كله يتحدد فى ورقة تحمل رقماً، وأن سنوات اجتهاده تُختزل فى مجموع نهائى قد يفرحه أو يصيبه بالإحباط. غير أن الواقع أكثر اتساعاً من هذه النظرة الضيقة؛ فالحياة لا تُدار بمنطق الأرقام وحدها، وإنما تصنعها الإرادة، ويقودها الاجتهاد، وتمنح الفرص لمن يملك الشغف والإصرار.

ولعل أكثر ما يؤلم فى هذه المناسبة هو أن بعض الأسر تربط قيمة أبنائها بما حققوه من درجات، فيتحول النجاح إلى مقياس للمحبة والفخر، بينما يصبح انخفاض المجموع سبباً للعتاب أو المقارنة أو الشعور بالتقصير. والحقيقة أن الإنسان أكبر من رقم، وأن الامتحان يقيس جانباً من التحصيل الدراسى، لكنه لا يقيس الذكاء بكل أنواعه، ولا يكشف عن الإبداع، ولا يحدد القدرة على القيادة أو الابتكار أو تحمل المسئولية.

لقد أثبتت تجارب الحياة أن كثيراً من الناجحين لم يكونوا فى مقدمة قوائم المتفوقين، كما أن عدداً من أصحاب المجاميع المرتفعة لم يحققوا لاحقاً ما توقعه لهم الجميع؛ فالنجاح الحقيقى ليس لحظة إعلان نتيجة، وإنما رحلة تبدأ بعدها، وتستمر بالاجتهاد والتطوير والتعلم المستمر، حتى يصنع الإنسان مكانته بعمله لا بدرجاته.

ومن هنا، فإن مسئولية الأسرة فى يوم إعلان النتيجة لا تقل أهمية عن مسئولية المدرسة طوال العام الدراسى، فالكلمة التى يسمعها الطالب فى تلك اللحظة قد تمنحه ثقة تمتد سنوات، وقد تترك داخله جرحاً يصعب محوه. لذلك، فإن الدعم النفسى، والاحتواء، والإيمان بقدرات الأبناء، هى الهدايا الحقيقية التى ينبغى أن تقدم لهم فى هذا اليوم، سواء جاءت النتيجة كما تمنوا أو أقل مما توقعوا.

كما أن المجتمع مطالب بإعادة النظر فى مفهوم التفوق، فلا يختزل النجاح فى عدد محدود من الكليات أو التخصصات، فالأوطان لا تُبنى بالأطباء والمهندسين وحدهم، وإنما تحتاج إلى المعلم المبدع، والإعلامى الواعى، والباحث المجتهد، والفنى الماهر، ورجل الصناعة، وكل من يؤدى عمله بإتقان وإخلاص. إن احترام جميع المهن هو احترام لمستقبل الوطن نفسه.

ويبقى الدرس الأهم أن نتيجة الثانوية العامة ليست شهادة على قيمة الإنسان، ولا حكماً نهائياً على مستقبله، بل هى بداية مرحلة جديدة تتسع فيها الخيارات، وتظهر فيها القدرات الحقيقية، ويصبح النجاح ثمرة للصبر والعمل أكثر منه نتاجاً لرقم كُتب فى كشف درجات.

وفى النهاية، لا تجعلوا أبناءكم أسرى لنتيجة، ولا تحكموا على أحلامهم من خلال مجموع، فالحياة تمنح فرصاً كثيرة لمن يؤمن بنفسه، ويواصل السير مهما تعثرت خطواته. فالامتحانات تنتهى فى ساعات، أما صناعة المستقبل، فهى رحلة عمرٍ كامل.

فالامتحانات تنتهى، أما الحياة فتمتحن الإنسان كل يوم… ولا تعلن نتائجها إلا بعد سنوات!!

أستاذ الإعلام بكلية الآداب – جامعة المنصورة

[email protected]