بعد سنوات من الغياب.. ناورو تبدأ رحلة تأسيس أول منتخب لكرة القدم في تاريخها
رغم الشعبية الجارفة التي تحظى بها كرة القدم في مختلف أنحاء العالم، لا تزال ناورو، أصغر دولة جزرية في العالم، بعيدة عن المشهد الكروي، إذ لم يسبق لها أن خاضت أي مباراة دولية رسمية أو تمتلك منتخبًا وطنيًا، لكن ذلك قد يتغير خلال السنوات المقبلة بفضل مشروع طموح يهدف إلى ترسيخ اللعبة داخل الجزيرة.
ومع انتهاء كأس العالم وتتويج إسبانيا باللقب، خفت وهج كرة القدم سريعًا في ناورو، حيث تكاد اللعبة تكون غائبة عن الحياة الرياضية اليومية، إذ لا تمتلك البلاد سوى ملعب واحد بأرضية رملية صلبة، بينما تظل "القواعد الأسترالية" الرياضة الأكثر انتشارًا بين السكان.
ورغم متابعة العديد من السكان لمنافسات الدوري الإنجليزي الممتاز وحرص الأطفال على ارتداء قمصان نجوم اللعبة مثل ليونيل ميسي وكريستيانو رونالدو، فإن ممارسة كرة القدم نفسها لا تحظى بالاهتمام الكافي، وغالبًا ما تواجه بالسخرية مقارنة بالرياضات المحلية الأكثر شعبية.
ويقود البريطاني تشارلي بومروي، اللاعب السابق في إحدى الأكاديميات الإنجليزية، مشروعًا تطوعيًا يهدف إلى نشر اللعبة داخل الجزيرة، بمشاركة مجموعة من المتطوعين الذين يسعون إلى تأسيس قاعدة حقيقية لكرة القدم في الدولة الواقعة بالمحيط الهادئ.
ويحمل اتحاد ناورو لكرة القدم حلمًا كبيرًا يتمثل في تكوين أول منتخب وطني للرجال في تاريخ البلاد، بعدما اكتفى في السابق بخوض مباريات غير رسمية أمام فرق للمغتربين من جزر سليمان عام 1994، ولاجئين في عام 2014، دون أن يخوض أي مواجهة دولية معترف بها.
وتواجه هذه المبادرة تحديات كبيرة، إذ إن الجزيرة التي كانت في الماضي من أغنى دول العالم بفضل احتياطيات الفوسفات، أصبحت تعتمد بصورة كبيرة على المساعدات الخارجية بعد استنزاف مواردها الطبيعية، كما تعاني من محدودية الأراضي الصالحة للاستخدام بسبب آثار التعدين، إلى جانب تهديدات التغير المناخي وارتفاع مستوى سطح البحر.
ويعيش معظم سكان ناورو، البالغ عددهم نحو 12 ألف نسمة، في المناطق الساحلية، بينما أصبحت مساحات واسعة من الجزيرة غير صالحة للسكن أو الزراعة، وهو ما يحد من إمكانية إنشاء ملاعب جديدة.
كما تواجه البلاد تحديات صحية كبيرة، إذ تعتمد على استيراد أكثر من 90% من احتياجاتها الغذائية، معظمها من الأطعمة المصنعة، وهو ما أدى إلى ارتفاع معدلات السمنة لتشمل نحو 69% من السكان، فيما يعاني قرابة 40% منهم من مرض السكري من النوع الثاني.
ويؤكد بومروي أن المشروع لا يقتصر على نشر كرة القدم فقط، بل يستهدف أيضًا تشجيع أنماط الحياة الصحية وتعزيز دور الرياضة في بناء المجتمع، مشيرًا إلى أن سكان ناورو يرغبون في تحسين صورة بلادهم عالميًا من خلال المشاركة في مختلف الألعاب الرياضية.
وأوضح أن فريق العمل أطلق مبادرة لتوزيع نحو ألفي كرة قدم على الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 4 و14 عامًا، بالتعاون مع الكنائس والمدارس الإحدى عشرة الموجودة في الجزيرة، على أن يتم نقل الكرات جوًا على دفعات لتسهيل عملية التوزيع.
وأشار إلى أن المحاولات السابقة لنشر اللعبة اعتمدت على تنظيم مباريات أو معسكرات قصيرة، لكنها لم تحقق نتائج مستدامة، وهو ما دفع القائمين على المشروع لتبني رؤية طويلة المدى ترتكز على تأسيس منظومة متكاملة تشمل تدريب اللاعبين والمدربين وإقامة مسابقات محلية.
وكان من المقرر قبل عامين تنظيم أول مباراة لفريق من ناورو بقيادة المهاجم الإنجليزي السابق ديف كيتسون، بعد معسكر تدريبي استمر أسبوعين، إلا أن المواجهة أُلغيت بسبب صعوبات مالية.
ويرى بومروي أن النجاح الحقيقي يتمثل في إعداد جيل كامل من اللاعبين الصغار، بحيث يخوض منتخب ناورو الأول مستقبلاً أول مباراة دولية في تاريخه بفريق يضم لاعبين نشأوا بالكامل داخل برنامج التطوير.
ومن المنتظر أن يصل بومروي إلى الجزيرة في ديسمبر المقبل لإقامة معسكر تدريبي يهدف إلى إعداد اللاعبين وتأهيل المدربين، بما يضمن استمرار النشاط على مدار العام.
وتظل أزمة الملاعب من أبرز العقبات، إذ لا يوجد حاليًا سوى ملعب ترابي واحد، بينما يعمل المتطوع تايرون ديييه على توفير أراضٍ من ممتلكات عائلته لإنشاء ملاعب إضافية، مع دراسة إمكانية استخدام ملاعب مغلقة لممارسة اللعبة.
ويؤكد القائمون على المشروع أنهم لا يسعون إلى فرض كرة القدم على سكان الجزيرة، وإنما إلى توفير فرصة جديدة للشباب، وتعزيز قيم العمل الجماعي والانضباط والصحة من خلال الرياضة.
ويختتم بومروي رؤيته بالتأكيد على ثقته في نجاح المشروع، معربًا عن أمله في أن تمتلك ناورو خلال خمس سنوات منتخبًا وطنيًا شابًا، وأن يصبح تأثير كرة القدم على حياة أبناء الجزيرة أكبر إنجاز يمكن تحقيقه على المدى البعيد.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض