اﻟﻤﺠﻤﻮع وﺣﺪه ﻻيكفى
سوق العمل ﺗﺤﺴﻢ مصير كليات القمة
الأمن السيبرانى والذكاء الاصطناعى وتحليل البيانات والبرمجيات وريادة الأعمال مجالات مفتوحة أمام طلاب الثانوية العامة
ثقافة الإرشاد الأكاديمى والمهنى داخل المدارس ضرورة
خبراء: على الأسر مساعدة أبنائها لاختيار الكلية المناسبة لميولهم
لم يعد مجموع الثانوية العامة وحده هو العامل الحاسم فى رسم مستقبل الطلاب، كما كانت الحال لسنوات طويلة، إذ شهدت السنوات الأخيرة تغيراً واضحاً فى معايير اختيار الكليات والتخصصات الجامعية، بعدما أصبح سوق العمل اللاعب الرئيسى فى تحديد وجهات الطلاب وأحلامهم المهنية، فبينما كانت بعض الكليات تعد فى الماضى هدفاً ثابتاً يقاس بالمجموع فقط، باتت اليوم تخضع لمعادلة جديدة عنوانها «هل يوفر هذا التخصص فرصة عمل حقيقية بعد التخرج؟».
ومع التطورات المتسارعة التى يشهدها الاقتصاد، وظهور تخصصات جديدة واختفاء أخرى، تغيرت نظرة الأسر والطلاب إلى عملية التنسيق، فلم يعد الوصول إلى كلية ذات مجموع مرتفع يعنى بالضرورة مستقبلاً مهنياً مضموناً، كما أن الالتحاق بكلية ذات مجموع أقل لا يعنى نهاية الطريق أو ضياع الفرص، وأصبح السؤال الأهم الذى يسبق تسجيل الرغبات هو، إلى ماذا يحتاج سوق العمل الآن؟ وما هى المهن التى سيزداد الطلب عليها خلال السنوات المقبلة؟
وفى أكثر من مناسبة، أكد الرئيس عبدالفتاح السيسى أهمية ربط التعليم باحتياجات سوق العمل، مشدداً على ضرورة أن تتوافق التخصصات الدراسية مع متطلبات التنمية وخطط الدولة، وأن يختار الطلاب مساراتهم التعليمية وفقاً لاحتياجات السوق وليس فقط وفقاً لمكانة بعض الكليات التقليدية أو مجموع درجاتهم، كما أشار إلى أن بعض التخصصات التى كانت تحظى بإقبال كبير لم تعد تلبى احتياجات سوق العمل بالشكل الكافى، فى مقابل تزايد الطلب على مجالات أخرى ترتبط بالتكنولوجيا والتحول الرقمى والصناعة وريادة الأعمال.
المستقبل لم يعد ملكاً لأصحاب المجاميع الأعلى فحسب، بل لمن يمتلك المهارة، ويختار التخصص الذى يتوافق مع احتياجات سوق العمل، ويطور نفسه باستمرار.
وفى ظل هذا المشهد، يطرح هذا التحقيق تساؤلات عدة حول مدى تأثير سوق العمل على قرارات طلاب الثانوية العامة خلال التنسيق، وهل أصبحت خريطة الكليات التقليدية بحاجة إلى مراجعة؟ وما التخصصات الأكثر طلباً فى السنوات المقبلة؟ وكيف يمكن للطلاب تحقيق التوازن بين رغباتهم الشخصية ومتطلبات سوق العمل، لضمان مستقبل مهنى أكثر استقراراً فى عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة؟
أجابت الدكتورة ولاء شبانة، الخبيرة التربوية، على هذه التساؤلات قائلة إن اختيار الطالب للكلية لم يعد يعتمد على المجموع فقط، وإنما أصبح يتأثر بعدة عوامل، أبرزها احتياجات سوق العمل، إلى جانب الضغوط التى تمارسها الأسرة والمجتمع. وأوضحت أن كثيراً من الأسر لا تزال تربط نجاح الأبناء بالالتحاق بكليات بعينها، باعتبارها رمزاً للمكانة الاجتماعية، رغم أن الواقع العملى تغير بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة.
وأضافت أن الطالب فى مرحلة الثانوية العامة يواجه ضغوطاً نفسية كبيرة، تبدأ من سباق الدرجات ولا تنتهى عند مرحلة التنسيق، إذ يجد نفسه مطالباً بتحقيق رغبات الأسرة فى الالتحاق بكلية معينة، حتى إذا كانت لا تتوافق مع ميوله وقدراته. وأشارت إلى أن هذا الأمر قد يؤدى إلى ضعف الدافعية نحو الدراسة، وانخفاض مستوى الإبداع والإنتاجية بعد التخرج.
وأكدت أن سوق العمل أصبح عنصراً مهماً فى اتخاذ قرار اختيار التخصص الجامعى، لأن الهدف النهائى من التعليم هو إعداد خريج قادر على الحصول على فرصة عمل مناسبة، إلا أن الاعتماد على احتياجات السوق وحدها دون النظر إلى ميول الطالب وقدراته قد لا يكون الخيار الأمثل. فالتخصص الذى يشهد طلباً مرتفعاً اليوم قد تتغير احتياجاته بعد عدة سنوات، وهى الفترة التى يكون الطالب قد أنهى خلالها دراسته الجامعية.
وأوضحت أن الاختيار الصحيح يجب أن يقوم على تحقيق التوازن بين ثلاثة عناصر رئيسية، وهى رغبة الطالب وميوله الحقيقية، وقدراته الأكاديمية، واحتياجات سوق العمل؛ فوجود أحد هذه العناصر دون الآخر قد يؤدى إلى نتائج غير مرضية، سواء على المستوى الدراسى أو المهنى.
وأضافت أن التطور التكنولوجى والتحول الرقمى أوجدا تخصصات جديدة لم تكن معروفة قبل سنوات، وأصبح الطلب عليها يتزايد بصورة مستمرة، وهو ما يتطلب من الطلاب وأولياء الأمور متابعة التغيرات فى سوق العمل وعدم الاعتماد على المفاهيم التقليدية التى تقسم الكليات إلى «قمة» و«غير قمة».
وأشارت إلى أن نجاح الخريج فى الوقت الحالى لم يعد مرتبطاً باسم الكلية فقط، وإنما بامتلاكه المهارات العملية، والقدرة على التعلم المستمر، وإجادة اللغات واستخدام التكنولوجيا، والعمل ضمن فريق، وهى مهارات أصبحت من أهم معايير التوظيف فى مختلف القطاعات.
واختتمت حديثها بالتأكيد على أهمية تعزيز ثقافة الإرشاد الأكاديمى والمهنى داخل المدارس قبل مرحلة التنسيق، حتى يتمكن الطلاب من اتخاذ قرارات مبنية على معلومات دقيقة، بما يحقق التوافق بين طموحاتهم الشخصية ومتطلبات سوق العمل، ويساعدهم على بناء مستقبل مهنى أكثر استقراراً.

مهارات
فى السياق ذاته يؤكد الجانب الاقتصادى هذه الرؤية، حيث قال الخبير الاقتصادى، الدكتور السيد خضر، إن العلاقة بين التعليم الجامعى وسوق العمل أصبحت أكثر ارتباطاً من أى وقت مضى، مشيراً إلى أن الاقتصادات الحديثة لم تعد تعتمد على أعداد الخريجين بقدر اعتمادها على امتلاكهم للمهارات التى تتوافق مع احتياجات القطاعات الإنتاجية والخدمية، مشيراً إلى أن التغيرات الاقتصادية المتسارعة، سواء على المستوى المحلى أو العالمى، فرضت واقعاً جديداً يتطلب إعادة النظر فى خريطة التخصصات الجامعية، بما يحقق التوازن بين مخرجات التعليم ومتطلبات التنمية.
وأضاف أن الاقتصاد المصرى يشهد توسعاً فى عدد من القطاعات التى تمثل محركات رئيسية للنمو، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على طبيعة الوظائف المطلوبة خلال السنوات المقبلة، ومن أبرز هذه القطاعات تكنولوجيا المعلومات والتحول الرقمى، والأمن السيبرانى، والذكاء الاصطناعى، وتحليل البيانات، والبرمجيات، إلى جانب قطاعات الصناعة، والطاقة الجديدة والمتجددة، واللوجستيات، والنقل، والسياحة، والرعاية الصحية، والتشييد والبناء، والخدمات المالية، وريادة الأعمال.
وأكد أن هذه القطاعات لا تحتاج فقط إلى خريجين من كليات بعينها، وإنما إلى كوادر تمتلك وقدرة على التعلم المستمر، وإجادة اللغات الأجنبية، والتعامل مع التقنيات الحديثة، والعمل فى بيئات تنافسية. لذلك أصبح اكتساب المهارات عنصراً لا يقل أهمية عن الحصول على المؤهل الجامعى.
وأشار إلى أن بعض التخصصات التقليدية لا تزال تحتفظ بأهميتها، لكنها أصبحت تواجه منافسة أكبر نتيجة زيادة أعداد الخريجين مقارنة بعدد الوظائف المتاحة، وهو ما يجعل فرص العمل مرتبطة بامتلاك الخريج مهارات إضافية وشهادات مهنية وخبرات عملية، وليس بالمؤهل الدراسى وحده.
وأوضح أن اختيار الطالب لتخصصه الجامعى يجب أن يستند إلى دراسة واقعية لاحتياجات سوق العمل، مع مراعاة ميوله وقدراته الشخصية، لأن النجاح المهنى يتحقق عندما يجتمع الشغف مع الفرصة، مشيراً إلى أن فالاعتماد على رغبة الأسرة فقط، أو على فكرة أن بعض الكليات تضمن وظيفة بشكل تلقائى، لم يعد يتوافق مع طبيعة الاقتصاد الحديث.
وأضاف أن العالم يشهد تغيرات متسارعة بسبب الثورة الصناعية الرابعة، وهو ما أدى إلى ظهور وظائف جديدة واختفاء أو تغير طبيعة وظائف أخرى، ولذلك أصبحت الجامعات مطالبة بتحديث برامجها الأكاديمية بصورة مستمرة، وإدخال تخصصات تجمع بين أكثر من مجال، مثل تطبيقات الذكاء الاصطناعى فى الطب والهندسة والزراعة والأعمال.
وأكد أن الاستثمار فى رأس المال البشرى يمثل أحد أهم عناصر تحقيق النمو الاقتصادى المستدام، وأن تطوير منظومة التعليم وربطها باحتياجات سوق العمل يسهم فى خفض معدلات البطالة، وزيادة الإنتاجية، وتحسين تنافسية الاقتصاد، وجذب مزيد من الاستثمارات التى تبحث عن عمالة مؤهلة.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن مستقبل سوق العمل سيعتمد بدرجة كبيرة على المرونة والقدرة على اكتساب مهارات جديدة، وأن الطالب الذى يحرص على تطوير نفسه باستمرار سيكون أكثر قدرة على المنافسة، بغض النظر عن اسم الكلية التى تخرج فيها، لأن الاقتصاد الحديث أصبح يقيس الكفاءة بما يستطيع الفرد تقديمه من قيمة ومهارة، وليس بالمؤهل وحده.

مسئولية الأسر
ما سبق يؤكد أن هناك مسئوليات جساماً على الأسر فى تغيير معتقداتهم حيال الجامعات وطرق وضع خطة المستقبل، وكيف للمجتمع بأكمله أن يغير منهجة طبقاً لاحتياجات سوق العمل، وهو ما أكدته الدكتورة ياسمين جمال استشارى العلاقات الأسرية والتربوية، إن مرحلة الثانوية العامة أصبحت تمثل نقطة تحول فى حياة الأسرة بأكملها، وليس الطالب فقط، لأن قرار اختيار الكلية يترتب عليه مستقبل مهنى قد يمتد لعقود. وأوضحت أن أكبر خطأ تقع فيه بعض الأسر هو التمسك بالمفاهيم القديمة التى تربط النجاح بكليات محددة، بينما تغيرت طبيعة سوق العمل بشكل كبير، وأصبحت الفرص تعتمد على المهارات والكفاءة أكثر من اعتمادها على اسم الكلية.
وأضافت أن مفهوم «كليات القمة» لم يعد يعكس الواقع الحالى كما كان فى السابق، لأن الاقتصاد وسوق العمل يشهدان تغيرات متسارعة أفرزت تخصصات جديدة تحتاج إليها المؤسسات والشركات، فى الوقت الذى تراجع فيه الطلب على بعض التخصصات التقليدية، لذلك أصبح من الضرورى أن تعيد الأسر النظر فى طريقة تفكيرها، وأن تدرك أن مستقبل الأبناء لا يقاس باسم الكلية، وإنما بقدرتهم على التميز والإبداع فى المجال الذى يختارونه.
وأشار إلى أن كثيراً من الخلافات الأسرية خلال فترة التنسيق تنشأ بسبب رغبة الوالدين فى تحقيق أحلام لم تتحقق لهما، أو بسبب الخوف من نظرة المجتمع، فيتم الضغط على الطالب للالتحاق بكلية لا تناسب ميوله أو قدراته. ولفت إلى أن هذا الضغط قد يؤدى إلى فقدان الشغف بالدراسة، وضعف التحصيل، وربما تغيير المسار بعد سنوات، وهو ما ينعكس سلباً على الطالب والأسرة معاً.
وأكدت أن دور الأسرة فى هذه المرحلة لا ينبغى أن يكون فرض القرار، وإنما مساعدة الابن أو الابنة على اتخاذ قرار واع. ويبدأ ذلك بالحوار المفتوح، والاستماع إلى رغبات الطالب، والتعرف على نقاط قوته، ثم الاطلاع على احتياجات سوق العمل والتخصصات الواعدة، حتى يكون القرار مبنياً على معلومات صحيحة وليس على الانطباعات أو الموروثات الاجتماعية.
وأضافت أن الأسرة مطالبة أيضاً بتغيير مفهوم النجاح لدى الأبناء، فليس النجاح هو دخول كلية بعينها، وإنما النجاح الحقيقى هو أن يجد الشاب أو الفتاة فرصة عمل مناسبة، ويحقق الاستقرار المهنى والمالى، مشيرة إلى أن كثيراً من النماذج الناجحة فى الوقت الحالى جاءت من تخصصات لم تكن تحظى باهتمام كبير فى الماضى، لكنها أصبحت اليوم من أكثر المجالات طلباً بسبب التطورات الاقتصادية والتكنولوجية.

وأوضحت أن سوق العمل أصبح هو المؤشر الأهم عند التفكير فى المستقبل، لكنه ليس العامل الوحيد، إذ يجب أن يلتقى مع ميول الطالب وقدراته، فالطالب الذى يمتلك شغفاً حقيقياً بمجال معين سيكون أكثر قدرة على التطور واكتساب المهارات والمنافسة، بينما قد يفشل فى تخصص اختير له فقط لأنه مطلوب فى السوق.
واختتمت حديثها بالتأكيد على أن مسئولية الأسرة لا تنتهى عند اختيار الكلية، بل تمتد إلى دعم الأبناء نفسياً ومعنوياً طوال رحلتهم الجامعية، وتشجيعهم على اكتساب اللغات، والمهارات الرقمية، والتدريب العملى، لأن هذه العوامل أصبحت هى الفارق الحقيقى فى فرص التوظيف، مشيراً إلى أن الأسرة التى تدعم أبناءها فى اتخاذ قرار مدروس، بعيداً عن الضغوط والمقارنات الاجتماعية، تمنحهم فرصة أكبر لبناء مستقبل ناجح يتوافق مع متطلبات سوق العمل المتغيرة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض