على فكرة
لم أعد أذكر من قائل تلك العبارة التى يحملها عنوان المقال، لكن المؤكد أنها صحيحة ريثما يؤدى الصبر الإيجابى إن صح التعبير، إلى التوصل إلى الحقيقة وامتلاكها، وتحقيق الهدف الذى أتبع لأجله. ولم يكد ينتشر خبر هجوم الطائرة المسيرة على سفينتين إحداهما لتسييل الغاز والأخرى لتخزينه فى ميناء دمياط، حتى سارعت وكالات أنباء غربية و أمريكية، إلى نشر الخبر وتوجيهه نحو اتهام إيران. فصحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية ذكرت أن مصدرين إيرانيين لم تذكرهما أسرَّا لها –فى ودنها طبعا -أن إيران مسئولة عن هذا الهجوم، برغم نفى إيران ذلك، وتأكيد وزير خارجيتها «عباس عراقجى» أن مصر شريك وصديق مهم فى المنطقة، وأن أمنها يشكل أهمية قصوى لبلاده. فبركة التحليلات السياسية والأخبار باتت أداة من أدوات الصراع لتحقيق أهداف سياسية، ولصنع التشويش والإرباك والتضليل، لإبعاد النظر عن احتمالات شمول الاتهام أطرافا بعينها.
القيادة المصرية، كعادتها فى مثل تلك الحوادث، لم تبتلع الطُعم، ولم توجه أصابع الاتهام إلى أى جهة، قبل انتهاء التحقيق الذى تجريه الآن كل مؤسسات الدولة المعنية، لكشف حقيقة الجهة المعتدية. فهى تعلم علم اليقين أن محاولات جر مصر لكى تصبح طرفًا فى هذه الحرب، لم تتوقف، وأنها قاومت ببسالة منذ بدء الحرب الأمريكية –الإسرائيلية على إيران فى فبراير الماضى وقبلها، كل الضغوط لضمها لتحالفات عسكرية إقليمية أو دولية، لخوض حروب لا ناقة لنا فيها ولا جمل، كما أوضحت لكل الأطراف الإقليمية والدولية خطر قيامها، لاسيما وقد أثبتت الأحداث ونتائجها الكارثية على كل دول العالم، صدق توقع بصيرتها.
ولأن الشىء بالشىء يذكر، فهى الضغوط نفسها التى سبق أن تعرض لها الرئيس مبارك، حين رفض بشكل قاطع وجود قواعد أمريكية على أى بقعة من أرض البلاد، وهى سياسة ما زالت فى صلب عقيدة القوات المسلحة المصرية حتى اليوم.
والدولة بهذا السلوك المنضبط، تدرس بمنهجية علمية كل الاحتمالات، بما فى ذلك دور إيران وحلفائها فى المنطقة. من الحوثيين فى اليمن الذين أعلنوا عن فرض رسوم لمرور السفن فى باب المندب على البحر الحمر، ومنعوا فعلًا سفنًا سعودية، من المرور، إلى حزب الله فى لبنان الذى يعيش أصعب أوقاته على ضوء القيود المفروضة على أنشطته العسكرية، وتسعى لحثه على تسليم سلاحه إلى الجيش، كشروط لإنجاز الاتفاق اللبنانى -الإسرائيلى، والمليشيات المسلحة المساندة لطهران داخل العراق، التى تعرضت قبل أيام لغارة سعودية –أمريكية على أماكن، وجودها عقب الغارة الصاروخية على السعودية انطلاقًا من مناطق تلك الميليشيات.
وتأتى إسرائيل قبل كل ذلك وبعده أحد أطراف الاتهام. فبعد أن صار مؤكدًا، أن المسّيرة لم تنطلق من داخل الأراضى المصرية، كما روجت لذلك أطراف وتعليقات على وسائل التواصل الاجتماعى، لسبب بسيط أن الرادارات المصرية تسطيع فى هذه الحالة رصدها. والأغلب أنها كانت قادمة من مسافة ليست بعيدة من قلب البحر المتوسط، بما يضع كل تلك الأطراف فى دائرة الاتهام.
ولكل ما سبق قوله، فإن مرور 16 ساعة لكى تتمكن الجهات المسئولة من الإعلان عما يجرى بالضبط فى دمياط، ليس مبررًا للصراخ الثورى الذى انطلق فى الفضاء العام للوم الحكومة المصرية عن تأخير الإعلان عنه. لا سيما أن أحدًا من الثوريين الصائحين، لم يهتم بما ذكره رئيس الوزراء الدكتور «مصطفى مدبولى» ويدعو للفخر والامتنان، من أن تعامل الدولة باحترافية وسرعة فائقة أسهم فى السيطرة الكاملة على الحريق الذى اندلع، ومنع كارثة محتملة، وأن حركة الملاحة، فى ميناء دمياط عادت لصورتها الطبيعية. ذلك أن الأسهل هو الصراخ، خاصة إذا اقترن بهجوم على الجيش، بدأ ولم يتوقف منذ ثورة 30 يونيو، لأسباب خاصة ربحية، لا علاقة لها بالمصالح العامة.
نعم الصبر فضيلة ثورية، محروسة بوعد إلهى «إن الله مع الصابرين». وسلمت مصر وشعبها من كل سوء.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض