رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

جهاد عبد المنعم يكتب: خصخصة كأس العالم.. الاتحاد الأوروبي يهدد بالمقاطعة إذا لم يتراجع الفيفا

بوابة الوفد الإلكترونية

ما يحدث حاليا داخل أروقة الفيفا بسبب قرار خصخصة كأس العالم يمكن وصفه بأنه زلزال في كرة القدم العالمية، وأول توابع هذا الزلزال أن أوروبا تهدد بمقاطعة بطولات «فيفا» كلها وليس كأس العالم فقط. وجاء هذا التهديد القوي من خلال تصويت تاريخي شاركت فيه 55 دولة، وهو ما يفتح مواجهة غير مسبوقة بين «يويفا» الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، وإنفانتينو رئيس الاتحاد الدولي «فيفا»، حول خصخصة العرس الكروي الأكبر، المونديال.

وبقراءة دقيقة للمشهد التاريخي، يتضح أنه لم تعد الخلافات بين الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» والاتحاد الأوروبي للعبة «يويفا» مجرد صراع مكتوم حول النفوذ والمواعيد والعائدات المالية، فقد انتقلت المواجهة إلى مستوى أكثر خطورة، بعدما صوتت الاتحادات الأوروبية الأعضاء في «يويفا» لصالح مقاطعة بطولات «فيفا»، إذا مضى الاتحاد الدولي في خطته لإدخال مستثمرين من القطاع الخاص إلى الكيان المسؤول عن إدارة وتسويق أبرز مسابقاته.

ويمثل هذا التصويت واحدا من أخطر التحديات التي تواجه قيادة السويسري جياني إنفانتينو، رئيس الاتحاد الدولي، إذ إن غياب المنتخبات الأوروبية عن بطولات «فيفا» لن يكون تفصيلا عابرا، بل قد يضرب القيمة الرياضية والجماهيرية والتجارية لكأس العالم من جذورها.

ما سبب الأزمة؟

بدأت الأزمة بعد طرح «فيفا» مشروعا جديدا يحمل اسم FIFA Forward Enterprise، وهو كيان تجاري يفترض أن يجمع الأنشطة التجارية والتشغيلية المتعلقة بمسابقات الاتحاد الدولي.

وتقول «فيفا» إن المشروع يستهدف توسيع حجم الاستثمارات المخصصة لتطوير كرة القدم عالميا إلى أكثر من عشرة مليارات دولار، مع التأكيد أن الكيان الجديد سيظل مملوكا وخاضعا لسيطرة الاتحاد الدولي، وأن المستثمرين لن تكون لهم سلطة على اللوائح أو القرارات الرياضية أو جداول المسابقات.

لكن التقارير المتداولة حول الخطة أشارت إلى إمكانية بيع حصة تصل إلى 20% من الكيان التجاري الجديد لمستثمرين من القطاع الخاص، ضمن مشروع تقدر قيمته بنحو عشرين مليار دولار، وهو ما أثار مخاوف الاتحادات الأوروبية من أن تتحول كأس العالم تدريجيا من بطولة مملوكة لمنظومة كرة القدم إلى منتج تجاري تتحكم فيه مصالح المستثمرين.

أوروبا أول من تقول «لا»

أمس الخميس 30 يوليو، اتفقت الاتحادات الوطنية الـ55 التابعة لـ«يويفا» على رفض المشروع، ولوحت بمقاطعة جميع مسابقات «فيفا» حال تنفيذه بصورته المطروحة.

الموقف الأوروبي لم يكن اعتراضا على الاستثمار في كرة القدم من حيث المبدأ، بقدر ما كان اعتراضا على طريقة اتخاذ القرار، وغياب الشفافية الكافية، وعدم إشراك الاتحادات القارية والوطنية في مناقشة مشروع قد يغير شكل ملكية وإدارة أهم بطولات اللعبة.

وترى الاتحادات المعارضة أن السماح لرأس المال الخاص بامتلاك حصة في الكيان التجاري المنظم لكأس العالم قد يفتح الباب أمام ضغوط مستمرة لزيادة الأرباح، وتوسيع البطولات، ورفع عدد المباريات، وتغيير مواعيد المسابقات بما يخدم المستثمرين، وليس اللاعبين أو الجماهير.

هل بدأت المقاطعة بالفعل؟

حتى الآن، لا يعني التصويت انسحاب المنتخبات الأوروبية فورا من مسابقات الاتحاد الدولي، ولكنه يمثل تعهدا سياسيا ورياضيا بالمقاطعة إذا نفذت الخطة.

وبالتالي، فإن القرار الأوروبي أقرب إلى ورقة ضغط قوية تستخدم لإجبار «فيفا» على التراجع أو تعديل المشروع وإخضاعه لمزيد من المشاورات والضمانات.

لكن خطورة التهديد تكمن في أن أوروبا تضم عددا كبيرا من أقوى منتخبات العالم وأكثرها جماهيرية، كما تمثل مسابقاتها المحلية والقارية جزءا ضخما من الاقتصاد العالمي لكرة القدم.

وهل يمكن تخيل المونديال من دون منتخبات مثل فرنسا وإسبانيا وألمانيا وإيطاليا وإنجلترا والبرتغال وهولندا؟ بالتأكيد لا يمكن، وقد تفقد أي بطولة عالمية جانبا كبيرا من قوتها التنافسية وقيمتها التسويقية.

الأزمة تتجاوز أوروبا

لم يقتصر الاعتراض على «يويفا»، فقد عبرت اتحادات وقوى كروية أخرى، من بينها اتحاد أمريكا الشمالية والوسطى والكاريبي «كونكاكاف»، عن مخاوف تتعلق بالشفافية والحوكمة وطريقة طرح المشروع.

كما ظهرت اعتراضات من اتحادات وطنية وشخصيات رياضية، رأت أن «فيفا» يحاول تمرير تغيير بالغ الخطورة من دون نقاش جماعي كافٍ مع أصحاب المصلحة في اللعبة.

ويمنح اتساع دائرة الرفض الأزمة بعدا عالميا، إذ لم تعد المواجهة مجرد خلاف أوروبي مع إنفانتينو، رئيس الفيفا، بل أصبحت اختبارا لطريقة إدارة كرة القدم الدولية، ولحدود سلطة رئيس «فيفا» في اتخاذ قرارات تمس مستقبل اللعبة.

دفاع «فيفا»

في المقابل، يدافع الاتحاد الدولي عن المشروع باعتباره وسيلة لاستغلال الإمكانات التجارية الضخمة لكأس العالم، وزيادة الأموال التي توجه إلى الاتحادات الوطنية وبرامج تطوير كرة القدم، خاصة في الدول التي لا تمتلك موارد مالية كبيرة.

وأكد «فيفا» أنه سيحتفظ بالسيطرة الكاملة على الكيان الجديد، وبالسلطة الحصرية في إدارة المسابقات واتخاذ القرارات الرياضية والتنظيمية.

ومن وجهة نظر الاتحاد الدولي، فإن جذب المستثمرين لا يعني بيع كرة القدم، وإنما توفير تمويل أكبر لتطوير الملاعب، ودعم المنتخبات، وتأهيل المدربين، ونشر اللعبة في المناطق الأقل استفادة من عائداتها.

كرة القدم بين الاستثمار والهوية

تكشف الأزمة عن سؤال يتجاوز تفاصيل المشروع نفسه: لمن تنتمي كرة القدم؟

هل تنتمي إلى الاتحادات والمؤسسات الرياضية التي تديرها؟ أم إلى اللاعبين والجماهير الذين يصنعون قيمتها؟ أم إلى المستثمرين والشركات التي توفر الأموال اللازمة لاستمرارها وتوسعها؟

لا يمكن إنكار أن كرة القدم الحديثة أصبحت صناعة عالمية بمليارات الدولارات، وأن تنظيم البطولات الكبرى يحتاج إلى تمويل وتسويق واستثمار ضخم. لكن تحويل المستثمر الخاص من شريك تجاري إلى مالك لحصة في الكيان الذي يتحكم في مسابقات مثل كأس العالم قد يغير طبيعة العلاقة بين الرياضة ورأس المال.

فالمستثمر يبحث بطبيعته عن زيادة العائد، بينما تقوم الرياضة، ولو نظريا فقط، على المنافسة العادلة والتضامن بين الدول والاتحادات، وإتاحة الفرصة للجميع، وليس فقط تعظيم الأرباح.

إنفانتينو أمام أصعب اختبار

تهدد الأزمة أيضا مستقبل جياني إنفانتينو داخل «فيفا»، خصوصا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة للاتحاد الدولي.

فالرئيس الذي سعى خلال السنوات الماضية إلى تعزيز عائدات «فيفا» وتوسيع مسابقاته، يجد نفسه الآن في مواجهة جبهة أوروبية موحدة، إلى جانب اعتراضات متزايدة من قارات واتحادات أخرى.

وقد يتحول المشروع، الذي كان يهدف إلى تقديم إنفانتينو باعتباره صاحب أكبر خطة استثمارية في تاريخ كرة القدم، إلى السبب الرئيسي في تراجع الدعم الذي يحظى به داخل المنظومة الدولية.