رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

إدارة المخاطر تعني أن نقرأ الاحتمال قبل أن يتحول إلى خسارة، وأن نحسن ترتيب القرار قبل أن تفرض الأزمة إيقاعها. والخطر في معناه الإداري والقانوني الحديث هو أثر عدم اليقين على تحقيق الأهداف؛ فقد يكون ماليًا، أو صحيًا، أو بيئيًا، أو رقميًا، أو تعاقديًا، أو مؤسسيًا، أو متعلقًا بسلامة الأفراد واستمرارية الخدمات، لذلك صارت إدارة المخاطر جزءًا أصيلًا من جودة الحكم والإدارة، لأنها تنقل التفكير من رد الفعل المتأخر إلى الاستعداد الواعي.

وتتزايد أهمية هذا الموضوع في العصر الرقمي، حيث تتداخل المخاطر بسرعة: عطل فني قد يؤثر في خدمة عامة، وبيان غير دقيق قد يربك قرارًا، وثغرة إلكترونية قد تمس خصوصية أشخاص، وتأخر في صيانة مرفق قد يضاعف التكلفة، ومخاطرة تعاقدية صغيرة قد تتحول إلى نزاع طويل. القانون هنا يعمل كمنهج وقاية، لا كعقوبة لاحقة فقط؛ فهو يحدد الواجبات، وينظم الاختصاصات، ويضع قواعد الشفافية، ويربط القرار بالمسؤولية.

إدارة المخاطر هي عملية منظمة تبدأ بتحديد الخطر، ثم فهم أسبابه، وتقدير احتماله وأثره، واختيار طريقة التعامل معه، ومتابعة النتائج، وقد يكون التعامل مع الخطر بتجنبه، أو تقليله، أو نقله من خلال التأمين أو التعاقد، أو قبوله عند حدود محسوبة، أو الاستعداد له بخطط بديلة.

الفكرة الأساسية بسيطة وهي لا يكفي أن نعرف أن الخطر موجود، بل يجب أن نعرف من يتابعه، ومتى يظهر، وما أثره، وما الإجراء المناسب إذا وقع.

الخطر احتمال قابل للإدارة قبل وقوع الضرر. الأزمة واقعة ضاغطة تحتاج إلى استجابة سريعة. وكل إدارة رشيدة تحاول أن تبقي الأمور في مرحلة الخطر القابل للقياس، قبل أن تنزلق إلى أزمة مكلفة، لذلك تتحدث النظم الحديثة عن سجل للمخاطر، وخريطة للأولويات، ومؤشرات إنذار مبكر، وخطة استجابة، ومراجعة دورية، وتوثيق للتعلم من التجربة.

وتحتاج إدارة المخاطر إلى لغة واضحة لا تخيف الناس ولا تستهين بهم. فالمقصود ليس نشر القلق، بل بناء الطمأنينة القائمة على المعرفة، و المواطن يثق في الخدمة حين يرى إجراءات معلنة، ومعلومات صحيحة، ومسارات شكوى واضحة، واستجابة منظمة. والمؤسسة تعمل بكفاءة حين تعرف مواردها، ونقاط الضعف، والبدائل المتاحة، وحدود المسؤولية.

ويضع الدستور المصري أساسًا مهمًا لإدارة المخاطر من خلال قواعد الحوكمة، والتنمية المستدامة، وأمن الفضاء المعلوماتي، وحماية البيئة، والأمان، ومكافحة الفساد. فقد نصت المادة (٢٧) على أن يهدف النظام الاقتصادي إلى تحقيق الرخاء في البلاد من خلال التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية، بما يكفل رفع معدل النمو الحقيقي للاقتصاد القومي، ورفع مستوى المعيشة، وزيادة فرص العمل وتقليل معدلات البطالة، والقضاء على الفقر.

كما تضيف المادة ذاتها أن النظام الاقتصادي يلتزم بمعايير الشفافية والحوكمة، والنمو المتوازن، والاتزان المالي، وحماية المستهلك.
وتنص المادة (٣١) على أن أمن الفضاء المعلوماتي جزء أساسي من منظومة الاقتصاد والأمن القومي، وتلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ عليه، على النحو الذي ينظمه القانون.

وهذا النص يجعل المخاطر الرقمية ضمن صميم الإدارة الحديثة، لأن الخدمة الرقمية تحتاج إلى حماية للبيانات، واستمرارية للنظم، وثقة في المعاملات الإلكترونية.
وتقرر المادة (٤٦) أن لكل شخص الحق في بيئة صحية سليمة، وحمايتها واجب وطني.
وهذا النص يفتح الباب أمام إدارة المخاطر البيئية والصحية، من خلال الوقاية من التلوث، وحسن إدارة الموارد، والاستعداد للمخاطر الطبيعية أو الصناعية. كما تنص المادة (٥٩) على أن الحياة الآمنة حق لكل إنسان، وتلتزم الدولة بتوفير الأمن والطمأنينة لمواطنيها، ولكل مقيم على أراضيها، وهذه الحماية لا تتحقق بالإجراءات الأمنية وحدها، بل تشمل سلامة المرافق، وأمان الطرق، وجودة الخدمات، والاستعداد للطوارئ.

وتأتي المادة (٢١٨) لتقرر التزام الدولة بمكافحة الفساد، وتعزيز قيم النزاهة والشفافية، وضمان حسن أداء الوظيفة العامة، والحفاظ على المال العام، وهذا النص شديد الصلة بإدارة المخاطر؛ لأن الفساد، وسوء الإدارة، وضعف التوثيق، وتداخل المصالح، كلها مخاطر تهدد المال العام وجودة الخدمة والثقة المؤسسية.

وتظهر إدارة المخاطر في عدد من القوانين المصرية، حتى وإن لم يرد التعبير دائمًا بالاسم ذاته، فقانون المالية العامة الموحد رقم (٦) لسنة (٢٠٢٢) ينظم دورة الموارد العامة من إعداد الموازنة إلى تنفيذها ومتابعتها، ويعزز فكرة الانضباط المالي وربط الإنفاق بالأهداف، وهذا الإطار يساعد على تقليل مخاطر الهدر، وضعف التخطيط، وتجاوز الاعتمادات، وانفصال الإنفاق عن النتائج.

ويقدم قانون تنظيم التعاقدات التي تبرمها الجهات العامة رقم (١٨٢) لسنة (٢٠١٨) إطارًا مهمًا لإدارة مخاطر الشراء والتعاقد.

والتعاقد العام يحمل مخاطر تتعلق بجودة المواصفات، وعدالة المنافسة، وسلامة الترسية، وتنفيذ العقد في وقته، وتغير الأسعار، وجودة الاستلام. لذلك تعد الشفافية، وتحديد الاحتياجات بدقة، وإعداد كراسات شروط واضحة، وتقييم العطاءات بمنهج منضبط، ومتابعة التنفيذ، أدوات قانونية لحماية المرفق والمال العام.


وفي المجال الرقمي، يعالج قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم (١٧٥) لسنة (٢٠١٨) مخاطر الاعتداء على النظم والشبكات والبيانات والحسابات، بينما يضع قانون حماية البيانات الشخصية رقم (١٥١) لسنة (٢٠٢٠) قواعد لحماية البيانات المعالجة إلكترونيًا، وحقوق الشخص المعني بها، والتزامات المتحكم والمعالج، وتكمن أهمية هذين القانونين في أن إدارة المخاطر الرقمية لم تعد مسألة فنية محضة؛ فهي تمس الخصوصية، والثقة، واستمرارية الخدمة، وسمعة المؤسسات.

كما يرتبط قانون العمل وقواعد السلامة والصحة المهنية بإدارة مخاطر بيئة العمل، من خلال الوقاية من الحوادث والإصابات، وتوفير اشتراطات السلامة، والتدريب، والتفتيش، وتنظيم المسؤوليات، وكل إصابة يمكن منعها بالتدريب والصيانة والإشراف تمثل خسارة إنسانية ومادية كان بالإمكان تجنبها، والوقاية هنا أرقى صور تطبيق القانون.

إدارة المخاطر ليست شأنًا مكتبيًا مغلقًا، ةإن أثرها يظهر في حياة الناس بوضوح، وحين توضع خطة صيانة لمصعد أو كوبري أو شبكة مياه، تقل الأعطال وتزيد السلامة، وحين تحفظ البيانات بطريقة صحيحة، تقل أخطاء الخدمة وتحمى الخصوصية. حين تُدار التعاقدات بدقة، يصل المشروع في وقته وبجودة أفضل، وحين تتوافر خطة طوارئ في مدرسة أو مستشفى أو جامعة، يصبح التعامل مع المفاجآت أسرع وأكثر اطمئنانًا.

ومن منظور عقلي وعملي، الوقاية أوفر من الإصلاح. والإنذار المبكر أقل تكلفة من الأزمة، والصيانة أقل تكلفة من الاستبدال، والتدريب أقل تكلفة من الحادث، والتوثيق أقل تكلفة من النزاع، والشفافية أقل تكلفة من فقدان الثقة، لذلك ترتبط إدارة المخاطر بجودة الحياة وبكفاءة الموارد، لأنها تجعل كل قرار أكثر فهمًا لعواقبه.
وتتسق هذه الرؤية مع إطار سنداي للحد من مخاطر الكوارث ٢٠١٥-٢٠٣٠، الذي يركز على فهم المخاطر، وتقوية حوكمة إدارة المخاطر، والاستثمار في الحد منها، وتعزيز الاستعداد للاستجابة والتعافي.

كما تتصل بأهداف التنمية المستدامة، خاصة ما يتعلق بالمدن الآمنة، والصحة، والعمل اللائق، والمؤسسات الفعالة، والعمل المناخي، فالتنمية التي لا تقرأ المخاطر قد تخسر جزءًا من نتائجها، والتنمية التي تدمج إدارة المخاطر في التخطيط تصبح أكثر قدرة على الاستمرار.

وتحتاج المؤسسات إلى إدماج إدارة المخاطر في ثقافة العمل نفسها، ولا يكفي وجود خطة محفوظة في ملف؛ المهم أن يعرف كل مسؤول دوره، وأن تحدث البيانات بانتظام، وأن تختبر الخطط، وأن تتوافر قنوات إبلاغ داخلية، وأن تتعلم المؤسسة من الأخطاء الصغيرة قبل أن تصبح كبيرة، والخطر الذي يُكتب بصدق يمكن التعامل معه، والخطر الذي يُخفى غالبًا يعود في صورة أزمة.

يمكن للمواطن أن يشارك في إدارة المخاطر بسلوك بسيط ومؤثر.

أولًا: الالتزام بتعليمات السلامة في المرافق العامة ووسائل النقل والمدارس والجامعات وأماكن العمل.

ثانيًا: الإبلاغ المسؤول عن الأعطال التي قد تسبب ضررًا، مثل أسلاك مكشوفة، أو تسرب مياه، أو تلف في طريق، أو خلل في مصعد، أو خطر في مبنى عام.

ثالثًا: حماية البيانات الشخصية وعدم مشاركتها مع روابط أو صفحات مجهولة، واستخدام كلمات مرور قوية، وتحديث التطبيقات، والتحقق من المواقع الرسمية.

رابعًا: احترام إجراءات الطوارئ وعدم التعامل معها كشكليات، مثل مخارج الحريق، وخطط الإخلاء، وتعليمات الإسعاف الأولي.

خامسًا: تجنب نشر الشائعات وقت الأزمات، لأن المعلومة غير الدقيقة تزيد الخطر وتربك الاستجابة.
سادسًا: دعم ثقافة الصيانة والترشيد، لأن الحفاظ على المياه والكهرباء والمرافق يقلل مخاطر الانقطاع والتلف والهدر.

وتحتاج المؤسسات إلى خطوات عملية موازية وهي إعداد سجل واضح للمخاطر، تحديد المسؤول عن كل خطر، ترتيب الأولويات حسب الاحتمال والأثر، وضع خطط استجابة، اختبار الخطط، تدريب العاملين، مراجعة التعاقدات من منظور المخاطر، حماية البيانات، وتوثيق الدروس المستفادة بعد كل واقعة، كما ينبغي أن تكون إدارة المخاطر قريبة من متخذ القرار، لأنها تساعده على الاختيار بين البدائل على أساس معلومات لا انطباعات.

وتستطيع وسائل الإعلام والتعليم والجامعات ومراكز الشباب أن تقدم هذا الموضوع بلغة قريبة من الناس، فإدارة المخاطر ليست مصطلحًا معقدًا؛ إنها ببساطة أن نفكر قبل الضرر، ونستعد قبل المفاجأة، ونحمي الإنسان والخدمة والمال العام بالمعرفة والقانون والتنظيم.

وفي الختام، فإن القانون وإدارة المخاطر يلتقيان عند قيمة واحدة وهي حماية الإنسان والمصلحة العامة بحسن التقدير قبل فوات الوقت.

والقانون يرسم الحدود، وإدارة المخاطر تنبه إلى مواطن الضعف، والوعي المجتمعي يحول الوقاية إلى سلوك يومي، وكل مجتمع يحسن قراءة مخاطره يحسن حماية موارده، وخدماته، وكرامة أفراده، والمستقبل لا يصنعه التفاؤل وحده، بل تصنعه معرفة دقيقة، وخطة قابلة للتنفيذ، ومسؤولية لا تنتظر وقوع الضرر كي تبدأ العمل.