كل عام، ومع إعلان نتيجة الثانوية العامة، تعيش آلاف الأسر المصرية لحظات من الترقب والقلق. وبينما يحتفل البعض بتحقيق ما تمنوه، تدخل أسر أخرى في دائرة من الحزن واللوم والضغط النفسي، وكأن نتيجة امتحان أصبحت حكمًا نهائيًا على مستقبل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره.
والمؤلم أن هذه الضغوط قد تترك آثارًا نفسية عميقة، وقد تتزامن أحيانًا مع وقائع مأساوية يتصدر خبرها صفحات الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي. وهنا يجب أن نتوقف جميعًا ونسأل أنفسنا: هل أصبحنا نتعامل مع الثانوية العامة باعتبارها محطة تعليمية، أم معركة حياة أو موت؟
الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن نتيجة الثانوية العامة ليست إلا نتيجة لامتحان في مرحلة انتهت، وليست نتيجة للحياة كلها. إنها تحدد مسارًا تعليميًا يتناسب مع قدرات الطالب في هذه المرحلة، لكنها لا تحدد قيمته، ولا تحكم على مستقبله، ولا تقيس طموحه أو عزيمته.
بل إن الطالب قد يحصل على مجموع مرتفع يؤهله لكلية يصفها المجتمع بأنها “من كليات القمة”، بينما لا تناسب ميوله ولا قدراته، فيعيش سنوات من المعاناة. وفي المقابل، قد يلتحق طالب آخر بكلية أقل مجموعًا، لكنها توافق شغفه، فيبدع فيها ويحقق نجاحًا يفتخر به وطنه وأسرته. فالنجاح لا تصنعه أسماء الكليات، وإنما يصنعه الإنسان بإخلاصه واجتهاده.
المشكلة الحقيقية ليست في النتيجة، وإنما في نظرتنا إليها. حين نحاصر أبناءنا بالمقارنات: “ابن عمك دخل طب”، و”ابنة خالتك حصلت على مجموع أعلى”، فإننا نهدم ثقتهم بأنفسهم، ونغرس في نفوسهم شعورًا بأن قيمتهم مرهونة برقم في شهادة. وكأن أبناءنا أصبحوا ضحايا لطموحات أولياء الأمور، لا أصحاب أحلام مستقلة يستحقون أن يعيشوها.
وأخطر ما في الأمر أن هذه المرحلة هي مرحلة بناء الشخصية. الكلمة القاسية، أو الإهانة، أو التقليل من قيمة الطالب بعد النتيجة، قد تترك جرحًا نفسيًا يرافقه سنوات طويلة، وربما طوال حياته. لذلك فإن أبناءنا، في هذه اللحظة تحديدًا، لا يحتاجون إلى محاكمة، بل يحتاجون إلى الاحتواء، وإلى من يقول لهم: “هذه ليست نهاية الطريق، وإنما بداية طريق جديد.”
ومن هنا تأتي مسؤولية الأسرة قبل أي أحد. فمن واجب الأب والأم أن يغرسا في أبنائهما منذ الصغر الإيمان بقضاء الله وقدره، وأن يعلماهم أن الرضا بما قسمه الله ليس استسلامًا، بل بداية جديدة للعمل والاجتهاد. قال الله تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، وهي آية عظيمة تعلمنا أن ما نظنه اليوم خسارة قد يكون بابًا لخير كبير لا نراه الآن.
كما يجب أن نربي أبناءنا على أن حياتهم أغلى من أي امتحان، وأن اليأس ليس حلًا، وأن ديننا الحنيف حرم الاعتداء على النفس وجعل حفظها من أعظم المقاصد. فالإيمان الصحيح يمنح الإنسان قوة على تجاوز المحن، ويغرس فيه اليقين بأن لكل مجتهد فرصة، وأن رحمة الله أوسع من كل ضيق.
إننا اليوم في حاجة إلى حملة توعية حقيقية تشارك فيها الأسرة، والمدرسة، والإعلام، والمؤسسات الدينية، لتغيير الثقافة التي تحيط بالثانوية العامة. ثقافة تجعل من المجموع لقبًا اجتماعيًا، ومن الطالب مشروع رقم، لا إنسانًا له قدرات ومواهب وأحلام.
فلنحتضن أبناءنا بعد النتيجة، أيًا كانت. لنمنحهم الأمل بدلًا من الخوف، والثقة بدلًا من اللوم، والدعم بدلًا من المقارنة. فربما تكون كلمة طيبة من أب، أو حضن دافئ من أم، سببًا في إنقاذ نفسٍ من الانكسار، وربما من مأساة لا يمكن علاجها بعد وقوعها.
فالثانوية العامة مرحلة في الحياة… لكنها ليست الحياة كلها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض