«يا خبر!»
فى جلسة على نيل القاهرة مع بعض الأصدقاء، قدم لى أحدهم شابا «لامعا» وأقصد هنا المظهر فقط، ليعرفنى عليه، قدم الأخير نفسه بأنه «صانع محتوى»، ولأننى بطبعى أدقق ما أنطق وما أسمع وما أكتب قلت له: ماذا؟ أعاد: «صانع محتوى»، وبدون تردد وجدتنى أسأله يعنى إيه؟!، زمان كانت المهن مهندس وطبيب وسفير ومحاسب ومحامى ومدرس ومذيع وصحفى و... إلى آخره من دولاب المهن المتعارف عليها فى الدنيا، أول مرة أسمع عن هذه الوظيفة!، من أى كلية يتخرج الشخص ليصبح «صانع محتوى»؟! وأى محتوى تقصد فالمحتويات كثيرة؟، وكيف تصنعه؟ بدأ يشرح لى أنه صانع محتوى على مواقع التواصل الاجتماعي، قلت له: يعنى حضرتك ناشط على مواقع التواصل الاجتماعي، أجاب بثبات: نعم وذكر لى بفخر أن له متابعين بالملايين، سألته: وهل هذه أصبحت وظيفة؟ قال: نعم ومربحة جدا، سألته: وفى أى شىء تتحدث؟ قال «بمنتهى السهولة»: «أبدا أنا بحكى قصص من التاريخ»، قلت له: عظيم، برافو، أفهم من ذلك إن حضرتك درست تاريخ؟ يعنى مثلا أنت خريج كلية الآداب قسم تاريخ، وأتممت دراسات عليا «ماجستير ودكتوراه» فى التاريخ، ووجدت إنك ممكن تفيد الناس بالحكايات التاريخية، وفى أى فرع من التاريخ تخصصت؟، قال لى: «حيلك حيلك يا دكتور -بمعنى تمهل يعنى- أنا معايا دبلوم صنايع وكنت بشتغل نقاش، بس بحب الحكايات وفى ناس كبار فى السن فى عمر جدى بيحكوا لى وأنا أعيد الحكاية بطريقتى» وكأن الصدمة أوقفتنى عن الأسئلة التى باغته بها منذ سلمت عليه!!، فبادر هو وقال لى: كل اللى حضرتك بتقوله ده مش مهم!، المهم إزاى تحكى والبهارات اللى بتقولها هى اللى بتجيب متابعين والمتابعين يعنى «ريتش» و«الريتش» يعنى فلوس!!
فى الأخير وجدتنى أمام راو للتاريخ «دبلوم صنايع» -مع تقديرى طبعا لدبلوم الصنايع- شخص يروى الحكايات التاريخية «على طريقته» بـ«بهاراته» وهذه كل مؤهلاته التى راج بها على طريقة المصريين بـ«الفهلوة»، يعنى ليس مهما أن تكون دارسا لشىء حتى تتحدث فيه على الإنترنت وتكون «صانع محتوى»! بل ليس مهما أن تكون متعلما من الأساس!، المهم الطريقة والمتابعين و«البهارات» لزوم جر «الزبون»، ومن فرط التبجح أن يقدم هؤلاء أنفسهم على أنهم مؤثرين وأصحاب رأى، فاتنى أن أقول لكم أن صاحبنا هذا قال له أنه «مؤثر» ونبهنى أن هذه الكلمة أيضا صارت «وظيفة»، فقلت له على أيامنا كانت هذه صفة وليست وظيفة!! ولا تستغرب ربما يكون أحدهم أو بعضهم مؤثر بسلاطة لسانه أو آرائه الصادمة فى موضوعات بعينها هو أبعد ما يكون عنها!! أو تكون إحداهن مؤثرة بخدشها للحياء العام شكلا ولفظا!!
ليس لدى اعتراض أن تقدم مئات المواضيع على «السوشيال ميديا» فى شتى مجالات العلوم والفنون، على أن يقدمها من هم درسوها وتخصصوا فيها وأمضوا أعمارهم فى خدمة مجالهم، وأقصد هنا الدراسة الأكاديمية المتخصصة المعترف بها رسميا فى الدولة التى ينتمى إليها من يطل علينا فى «السوشيال ميديا» وليست دورات تدريبية فى أكشاك «بيزنس» تحت بير السلم ممن يحتاج مقدميها أصلا لدورات.
لقد وصل التبجح أن تجد من يحدثك فى الطب وهو ليس بطبيب ومن ينظرون فى السياسة وهم لا يعرفون معنى كلمة سياسة، ومن يفتون فى التاريخ وهم لا يدركون الفرق بين التاريخ الميلادى والهجرى، ولا تستغرب أن يقدم لك أحدهم صورة عميد الأدب العربى الدكتور طه حسين على أنه أديب نوبل نجيب محفوظ أوالعكس، ومن فجاجة طرحهم أن تجد أحدهم يقول: سأحكى لكم ما لم يذكر فى اللقاء «السرى» الفلانى بين الزعيم فلان والرئيس علان، أو سأكشف لكم كواليس قرار «الحرب الفلانية» وكأن سيادته كان مع صناع القرار أو رجل مخابرات عابرة للقارات! وهو فى الأخير يحدثك من جنب سريره من تليفونه فى غرفته الضيقة التى تشبه عقله.
يحزننى أن أسمع أن بعض الجامعات تحتفى بهؤلاء وتنظم لهم ندوات وهم ربما يكون بعضهم لم تخط قدماه صوب حرم جامعى قبل ذلك من الأساس، وهذا ما جعلهم ينتفخون ويصلون إلى درجة من التبجح تجعلهم ينظرون فى الإعلام ويطالبون مثلا بجمعية تضمهم «صناع المحتوى» و«المؤثرين» والتنصيص هنا لغرض خبيث من الكاتب، أما زمن الشهادات العلمية والدراسات العليا والتخصص الدقيق والتخصص داخل التخصص، فكل هذا كلام لا سوق له فى عصر «السوشيال ميديا».
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض