رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

غابت الرحمة وتبلدت المشاعر.. والقانون وحده لا يكفى

دماء فى بيوت الأحباب

بوابة الوفد الإلكترونية

تكرار جرائم القتل والتمثيل بالجثث داخل الأسرة يهدد بتدمير المجتمع

مواقع التواصل.. العزلة فى البيوت.. غياب المدارس.. ثالوث الانفلات الأخلاقى

خبراء اجتماع: انهيار منظومة القيم وراء حوادث العنف الأسرية والجرائم لا تعكس طبيعة المجتمع

استشارى صحة نفسية: ليس كل مرتكب جريمة مريضًا نفسيًا ومطلوب منظومة حماية متكاملة

لم يكد المجتمع المصرى يفيق من كارثة مصرع أم على يد ابنتها ببورسعيد حتى استيقظ على كارثة لا تقل بشاعة فى الأسكندرية، حيث قامت محامية بذبح أمها المسنة وتقطيعها وتخزين أجزاء من جسدها فى ثلاجة المنزل.

التفاصيل كانت على مدى أيام حاضرة بقوة كمادة عالية المشاهدات على صفحات التواصل الاجتماعى والمواقع الاخبارية.. الجميع يحاول جذب العدد الأكبر من المشاهدين الذين يتابعون بدهشة واشمئزاز ما آل إليه حال المجتمع.. وما أصبحنا نراه من جرائم تقشعر لها الأبدان حتى راح الجميع يبحث تفاصيل الأمراض النفسية التى يمكن أن تكون ذات صلة بمثل هذه الجرائم وذلك ليس إقرارا بالأسباب والدوافع بقدر ما هو مدفوع بلا معقولية الحادث وتفاصيله التى لا يصدقها عقل.

عندما انهارت منظومة القيم والأخلاق نتيجة انعدام الوازع الدينى وصل المجتمع إلى جرائم تقشعر لها الأبدان، كان آخرها جريمة قتل سيدة لوالدتها والتخلص من جثتها بأبشع الطرق، وسبقتها اخرى قتلت أمها بمساعدة عشيقها، وتم اعدامها مؤخرا، وغيرها جرائم أخرى لا تقل بشاعة أصابت الرأى العام بصدمة بتفاصيلها المرعبة.

نفوس غير سوية نشأت فى بيئات غير سوية فى مجتمع تراجعت فيه القيم والعادات والتربية الدينية وفقدت فيه الأسرة رسالتها الأولى فى التنشئة السوية والتربية، وغياب القدوة لدى الكثير من الأمهات والأباء وتراجع الدور التربوى للأسرة وانهيار منظومة التربية فى المدارس، حتى فقدت المؤسسات التعليمية أحد أهم أدوارها، وهو غرس القيم والأخلاق قبل التعليم.

واقع مؤلم نعيشه فى أيامنا، وجرائم لا يمكن وصفها إلا بالوحشية والشذوذ عن الطبيعة الإنسانية، وكلها أحدثت صدعًا فى وجدان المجتمع، وطرحت تساؤلات عديدة حول أسباب هذا التحول الخطير فى طبيعة الجرائم ودوافعها وأطرافها خاصة ما يقع منها فى إطار الأسرة الواحدة المنوط بها حماية نواة المجتمع بـ قيمه وأخلاقياته.

ولمناقشة هذه الكارثة، كان لابد من الاستماع إلى آراء المختصين، للوقوف على أسبابها وكيفية مواجهتها، لحماية المجتمع كله من هذا الخطر المتصاعد.

 

<span style=
الأستاذ الدكتور فتحى قناوى، أستاذ العلوم الطبية الشرعية وأستاذ فسيولوجيا 

انهيار التربية

 

أكد الأستاذ الدكتور فتحى قناوى، أستاذ العلوم الطبية الشرعية وأستاذ فسيولوجيا الأعصاب بالمركز القومى للبحوث الجنائية ورئيس قسم بحوث كشف الجريمة، أن الجرائم الأسرية المتكررة ليست وليدة الفقر أو الظروف الاقتصادية فقط، وإنما تعود فى المقام الأول إلى انهيار منظومة التربية والقيم داخل الأسرة. وأوضح أن البيت لم يعد يؤدى دوره الأساسى فى التنشئة، وأصبح كل فرد منشغلًا بمصلحته الشخصية، بينما تراجعت قيم الرحمة والمودة والحوار بين أفراد الأسرة.

وأشار إلى أن بناء الأسرة يبدأ من حسن اختيار شريك الحياة، ثم التعاون بين الأب والأم فى تربية الأبناء على المبادئ والأخلاق، مؤكدًا أن غياب هذه الأسس ينعكس على شخصية الأبناء وسلوكهم.

وأضاف أن ضعف التواصل داخل المنازل، وانعزال كل فرد فى غرفته أو مع هاتفه المحمول، أدى إلى تفكك الروابط الأسرية، حتى بات بعض الأبناء يفتقدون المعنى الحقيقى للعلاقة بين الأب والأم والإخوة.

ورأى «قناوى» أن مواقع التواصل الاجتماعى أصبحت عاملًا مؤثرًا فى تشكيل السلوك، إذ يتعرض كثيرون لمحتوى يروج للعنف والابتذال وانتهاك خصوصية الأسرة، وهو ما يسهم فى تآكل المنظومة الأخلاقية ويضعف الوازع الإنسانى.

وأكد أن ارتكاب جرائم بالغة القسوة، مثل قتل أحد أفراد الأسرة والتمثيل بالجثمان، يكشف عن غياب الرحمة وتبلد المشاعر، وهو ما يعكس خللًا عميقًا فى التنشئة.

وشدد على أن العقوبات الرادعة وحدها لا تكفى للحد من هذه الجرائم، لأن المشكلة الحقيقية تكمن فى بناء الإنسان منذ الصغر، وغرس القيم الدينية والأخلاقية فى نفسه.

 كما انتقد تراجع الدور التربوى للمؤسسات التعليمية، مؤكدًا أن المدرسة كانت شريكًا أساسيًا للأسرة فى التربية، بينما أصبح التركيز اليوم منصبًا على الدروس الخصوصية، فى ظل تراجع دور التربية والتعليم معًا، الأمر الذى يفرض ضرورة إعادة بناء منظومة التنشئة من الأسرة والمدرسة معًا لحماية المجتمع من تفاقم هذه الجرائم.

<span style=
الدكتورة هند فؤاد السيد، أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومى للبحوث ورئيس قسم المجتمعات الريفية والصحراوية

ضغوط متراكمة

 

أكدت الدكتورة هند فؤاد السيد، أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومى للبحوث ورئيس قسم المجتمعات الريفية والصحراوية، أن الجرائم الأسرية التى شهدها المجتمع مؤخرًا، ومنها جريمة الإسكندرية التى أقدمت فيها ابنة على قتل والدتها، تمثل أحداثًا صادمة تستدعى الدراسة، لكنها لا تعكس طبيعة المجتمع المصرى، بل تكشف عن تحولات اجتماعية وضغوط متراكمة تؤثر فى بعض الأسر.

وأوضحت أن تفسير هذه الجرائم لا يمكن اختزاله فى سبب واحد، فالعنف داخل الأسرة ينتج غالبًا عن تفاعل عوامل اقتصادية ونفسية وثقافية واجتماعية.

 كما أن الانتشار السريع للأخبار عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعى يمنح انطباعًا بزيادة معدلات هذه الجرائم، بينما تشير الدراسات إلى أن جزءًا من هذا الشعور يعود إلى سرعة تداول الوقائع واتساع نطاق متابعتها، فى حين أن بعض أنماط العنف كانت فى الماضى تظل حبيسة جدران المنازل ولا تصل إلى الرأى العام.

وأضافت أن المجتمع المصرى شهد خلال العقدين الأخيرين تغيرات متسارعة، من أبرزها ارتفاع تكاليف المعيشة، وضغوط العمل، وتراجع الوقت المخصص للحياة الأسرية، إلى جانب تغير أنماط التنشئة الاجتماعية، وانحسار دور الأسرة الممتدة التى كانت تمثل عنصرًا مهمًا فى احتواء الخلافات وتقديم الدعم.

كما أدى تسارع وتيرة الحياة إلى ضعف الحوار بين أفراد الأسرة، وهو ما يزيد احتمالات تصاعد المشكلات اليومية فى ظل غياب مهارات التواصل وإدارة الخلافات.

وأشارت إلى أن الأسرة ليست مجرد تجمع لأشخاص تربطهم صلة قرابة، وإنما منظومة تقوم على الثقة والاحترام والتواصل، وعندما تتآكل هذه القيم بفعل الصراعات المستمرة أو الإهمال أو العنف أو الاضطرابات النفسية غير المعالجة، قد تتحول الأسرة من بيئة آمنة إلى مساحة للصراع، مؤكدة فى الوقت نفسه أن هذه الجرائم تظل استثنائية ولا تعبر عن واقع غالبية الأسر المصرية التى ما زالت تقوم بدورها فى الرعاية والتماسك.

وأكدت أن الضغوط الاقتصادية، رغم أنها لا تصنع الجريمة بمفردها، فإنها ترفع مستويات التوتر داخل الأسرة، خاصة إذا ارتبطت بالبطالة أو الديون أو الشعور بالعجز وضعف الدعم النفسى والاجتماعى.

كما أن غياب الحوار وتراكم الخلافات الصغيرة قد يحولها إلى أزمات كبيرة، وهو ما تؤكده الدراسات التى تشير إلى أن العنف الأسرى هو نتاج تفاعل عدة عوامل وليس نتيجة سبب منفرد.

ولفتت إلى أن بعض الجرائم أصبحت أكثر تعقيدًا من الناحية الاجتماعية، إذ لم تعد ترتبط فقط بخلافات تقليدية، بل تتداخل فيها عوامل نفسية ورقمية وثقافية تستدعى مزيدًا من البحث والدراسة.

 كما أن تداول تفاصيل الجرائم عبر الإنترنت يزيد من الإحساس بانتشارها وبشاعتها، رغم أن كثيرًا من هذه الوقائع لم تكن تحظى سابقًا بهذا القدر من الاهتمام.

وحول تأثير وسائل التواصل الاجتماعى، أوضحت أنها تؤدى دورًا مزدوجًا؛ فهى ترفع الوعى بخطورة العنف وتفتح المجال للنقاش حول أسبابه وسبل الوقاية منه، لكنها فى المقابل قد تسهم فى تطبيع مشاهد العنف والتبلد الانفعالى لدى بعض الفئات، خاصة الأطفال والمراهقين، إذا غاب التوجيه الأسرى، فضلًا عن أن بعض المحتوى الذى يمجد الانتقام أو يسخر من الضحايا يضعف قيم الحوار والتسامح.

واختتمت الدكتورة هند فؤاد حديثها بالتأكيد على أن استعادة التماسك الأسرى مسئولية مشتركة بين الأسرة والمؤسسات التعليمية والإعلامية والدينية، من خلال تعزيز ثقافة الحوار، وتعليم الأبناء مهارات إدارة الغضب وحل النزاعات، وتوسيع خدمات الإرشاد الأسرى والنفسى، مع تناول الإعلام لهذه الجرائم بمهنية بعيدًا عن الإثارة، وشددت على أن الجرائم الأسرية، رغم قسوتها، تبقى جرس إنذار يدعو إلى إعادة الاستثمار فى الأسرة باعتبارها المؤسسة الأولى لبناء الإنسان، فكلما تعززت داخلها قيم الاحتواء والدعم النفسى، تراجعت احتمالات تحول الخلافات إلى مآسٍ تهز المجتمع.

 

منظومة حماية

 

الدكتورة إلهام المهدى، المحامية، قالت: بين أروقة المحاكم ووجع البيوت، تقف مصر اليوم أمام فواجع إنسانية تجردت فيها أقرب العلاقات من رحمة الدم والنسب، ليصل بها مطاف العنف إلى القتل العمد والتمثيل بالأجساد داخل المحراب الأسرى، إنها لحظة قاسية تتشابك فيها دمعة الأم ولوعة الأبناء مع نصوص القانون الصارمة، صدمة وجدانية تعكس كيف تآكلت الحواجز النفسية بفعل تراكمات صامتة؛ من ضغوط إقتصادية وأعباء نفسية ومخدرات تخليقية تطمس العقل والضمير، واضطرابات نفسية طالها الإهمال والإنكار المجتمعى، مرورًا بالعالم الافتراضى الذى جفف مشاعر التواصل الحقيقى وعمق التفكك الأسرى.

​التشريع المصرى بسيف ساطع لا يرحم؛ إذ يتعامل القضاء مع هذه الفظائع بصرامة مطلقة دون النظر لصلة القرابة، مُطبقًا عقوبة الإعدام شنقًا للقتل العمد مع سبق الإصرار وفق المادة 230 من قانون العقوبات، لكن القانون وحده لا يكفى، فالأمر يتطلب صدور قانون موحد لمناهضة العنف الأسرى، وإنشاء مكاتب احتضان ودعم نفسى وتدخل سريع لإنقاذ النفوس المنهكة والأمهات المجهدات، قبل أن تتحول جراح الصمت إلى مآسٍ تهز الضمير الإنسانى.

<span style=
الدكتورة نادية جمال، استشارى الصحة النفسية والعلاقات الأسرية

أكدت الدكتورة نادية جمال، استشارى الصحة النفسية والعلاقات الأسرية، أن الجرائم الأسرية بالغة القسوة لا تنشأ فجأة، وإنما تمثل حصيلة تفاعل معقد بين عوامل نفسية وتربوية واجتماعية، تتراكم عبر سنوات حتى تصل ببعض الأفراد إلى مرحلة الانفجار، مشددة على أن لكل حالة تاريخًا وسلوكًا يمكن رصده قبل وقوع الجريمة.

وأوضحت أن من الخطأ ربط كل جريمة عنيفة بالمرض النفسى، فهناك فرق واضح بين المرض النفسى واضطرابات الشخصية والسلوك الإجرامى، فالمريض النفسى غالبًا يكون أكثر عرضة للإيذاء من كونه مصدرًا له، ويستجيب للعلاج بصورة جيدة ويستعيد توازنه مع التدخل الطبى المناسب، أما اضطرابات الشخصية فهى أنماط سلوكية متجذرة تتكون منذ الطفولة، وتحتاج إلى فترات طويلة من العلاج والتأهيل، وقد يرفض صاحبها العلاج من الأساس، بينما يعد السلوك الإجرامى سلوكًا مكتسبًا يتشكل نتيجة البيئة المحيطة، والتنشئة، والأصدقاء، ووسائل التواصل الاجتماعى، وقد يمتد تأثيره إلى الأسرة والمدرسة ومختلف دوائر المجتمع.

وأشارت إلى أن جذور العنف تظهر منذ الصغر، خاصة لدى الأطفال الذين تعرضوا للعنف البدنى أو اللفظى أو نشأوا فى بيئة يغيب عنها الأمان والاحتواء، فيتعلمون أن العنف وسيلة طبيعية للحصول على الحقوق أو فرض السيطرة، وتنعكس هذه التنشئة لاحقًا فى صورة تهديدات متكررة، وعدوانية، وغياب التعاطف، وصعوبة تكوين علاقات صحية، وعدم احترام حدود الآخرين، وهى جميعها مؤشرات تستدعى التدخل المبكر.

وأكدت أن تجاهل هذه المؤشرات أو التقليل من خطورتها قد يؤدى إلى تصاعد الأزمة وتحولها إلى جريمة.

وأشارت إلى أن الضغوط النفسية والصدمات المتكررة تؤدى إلى تراكم مشاعر الغضب والإحباط، ومع غياب مهارات إدارة الانفعالات يصبح الشخص أكثر قابلية للاندفاع،.

وشددت الدكتورة نادية جمال على أهمية الدعم النفسى المبكر، مؤكدة أن ظهور مؤشرات مثل العزلة، وصعوبة التواصل، والعنف داخل الأسرة، والشكاوى المتكررة من السلوك، والإدمان، وعدم التحكم فى الغضب، أو المقارنات المستمرة بالآخرين، كلها تستوجب التدخل النفسى والإرشادى فى وقت مبكر.