رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

حكاية وطن

هذه شهادة للتاريخ، نسجل القصة الحقيقية للظهور الأول لتعديل قانون العقوبات الذى أعدته الحكومة وقدمته لمجلس الشعب، والذى أُطلق عليه «قانون اغتيال حرية الصحافة» رقم 93، لسنة 95. قصدت الحكومة أن يتم التعديل فى قانون العقوبات وهى تنوى ذبح مهنة الصحافة وتعبئتها فى أكياس وتوزيعها على القراء بدلاً من الصحف لأسباب منها، أن تصل العقوبات إلى كل من «ينشر» سواء مواطن أو هاوٍ أو موظف أو أستاذ جامعة وصولاً إلى الصحفى أى كل من يريد ممارسة الكتابة وحرية الرأى والتعبير، ثانياً لتفادى حق نقابة الصحفيين فى طلب عرض مشروع القانون عليها لو حدث التعديل فى قانون سلطة الصحافة، فكان التفاف الحكومة لتمرير ما تريد.

يوم الالتفاف، أو يوم مناقشة مشروع القانون أو اليوم الذى لم تشرق له شمس، كنت فى مجلس الشعب أمارس عملى كمحرر برلمانى لجريدة «الوفد»، كان من بين طقوسى اليومية ألا أترك اجتماعاً للجنة التشريعية بالمجلس، كنت أمر على اللجنة صباحاً قبل الجلسة العامة حتى فى حالة عدم إعلانها عن اجتماع، وأمام مصعد مبنى اللجان المطل على شارع قصر العينى، التقيت كمال الشاذلى وزير شئون مجلسى الشعب والشورى، وصعدت معه وقبل وصول المصعد إلى الدور السادس، حيث مقر اللجنة التشريعية كان «الشاذلى» يرفع يده عالياً كعادته على أحد أركان المصعد، ويقبض بها على عدة ورقات وسألنى عن وجهتى، وأجاب هو: «أنا عارف أنك بتحب تحضر اجتماعات اللجنة التشريعية لأنها غالباً تعرض طلبات رفع الحصانة، وده يهمكم كصحافة»، وأجاب مرة أخرى: «بلاش اللجنة التشريعية مفيهاش حاجة، هناقش تعديل بسيط فى قانون العقوبات»، زادنى كلام «الشاذلى» إصراراً على البدء فى جولتى على اللجان باللجنة التشريعية لأنها عادة، وتركته يسبقنى فى الدخول إلى قاعة الاجتماعات، ودخلت خلفه، وكنت الصحفى الوحيد الحاضر لهذا الاجتماع من بدايته حتى نهايته.

بدأ اجتماع اللجنة بعرض مشروع القانون، وتحدث «الشاذلى» واكتشفت أن كل المواد قيود على حرية الصحافة تصل إلى حبس الصحفيين، وتكميم الأفواه، وتشييع حرية الصحافة لمثواها الأخير، من وراء هذه التعديلات التى تشبه المؤامرة؟

نظر إلى كمال الشاذلى وكنت أجلس خلفه، وعرف أننى قيمت التعديل الذى تحاول اللجنة تمريره فى الخفاء على الأقل قبل عرضه على الجلسة العامة وقبله مجلس الشورى لتفويت الفرصة على نقابة الصحفيين لمواجهته فى مهده وأهدانى «الشاذلى» نسخة من مشروع القانون، لأن الأعداد كانت على قدر النواب الموجودين فى القاعة فقط، وعددهم قليل، خرجت بالمناقشات ومعى نسخة من مشروع القانون، ولم يكن يحصل عليها أحد غير النواب المكلفين بمناقشة المشروع و«الشاذلى» ونسخة فى مكتب «سرور» وأخرى مع الدكتور مصطفى كمال حلمى، وهرولت إلى مقر جريدة الوفد فى شارع بولس حنا بالدقى، فى عهد رئيس التحرير الأستاذ الكاتب الصحفى جمال بدوى، وجدته فى بهو الدور الذى تقع به الجريدة فى «قصر البدراوى» يتحدث مع الأستاذ مجدى مهنى مدير تحرير الوفد فى ذلك الوقت، وعضو مجلس نقابة الصحفيين.. سألنى جمال بدوى: خير يا أستاذ محمود؟ قلت له ليس خيراً يا أستاذ جمال، فهناك عدوان على حرية الصحافة انطلق من مجلس الشعب فى صورة تعديل على قانون العقوبات وهذه نسخة من المشروع، وأنا سأكتب المانشيت حالاً باسم «اغتيال حرية الصحافة»، خلع جمال بدوى نظارته وأعادها مرة أخرى ونظر إلى مجدى مهنى وقال مجدى: مستحيل، قلت له هذا ما حدث، تدخل سعيد عبدالخالق وطلب الموضوع وقدمته له ونشره مانشيت الجريدة فى اليوم التالى، وعلق جمال بدوى على قراءة مشروع القانون الذى لم يسبقنا إليه أحد على الأقل حتى الطبعة الثانية وكتب جمال بدوى مقالاً فى الصفحة الأولى يحمل نفس عنوان المانشيت.

خرجت جريدة الوفد وهى تحمل دليل العدوان على حرية الصحافة، وتصدت الجمعية العمومية للصحفيين يتقدمها النقيب وأعضاء المجلس للمؤامرة، وظلت فى حالة انعقاد دائم لمدة عام وانتصرت فى 10 يونيو بإسقاط القانون واتخذته النقابة يوما للصحفى تحتفل به كل عام، تحية لروح الكاتب الكبير جمال بدوى الذى تفرغ لإسقاط هذا القانون المشئوم، وتحية إلى الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين.