تأملات
بعيدا عن أية جوانب تتعلق بسلوكيات المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان، فإن تصويت 82 دولة من جمعية الدول الأعضاء بالمحكمة الجنائية الدولية على قرار عزله يشير إلى جانب واحد فى رأى الكثيرين هو السبب الرئيسى فى هذه الخطوة ألا وهو المتعلق بالحكم الذى أصدرته المحكمة بإصدار قرار اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه جالانت.
وبعيدا عن الجوانب القانونية التى تتعلق بحق الجمعية فى مثل هذه الخطوة باعتبار أن رئيس أى مؤسسة ليس فوق المساءلة، فإن المسألة فى حالة كريم خان واضحة وتشير فى النهاية ليس إلى نفوذ إسرائيل فقط وإنما إلى نفوذ حليفتها وراعيتها وهى الولايات المتحدة.
فمع إصدار المحكمة قرارها بشأن اعتقال نتنياهو وجالانت ورغم أنها حاولت توازن موقفها بإصدار أوامر مماثلة لثلاثة من قادة حماس، إلا أن حملة منظمة بدأت من قبل الولايات المتحدة تستهدف تقويض عمل المنظمة وتقليل فاعليتها، وهو أمر أشار إليه كريم خان نفسه عقب إصدار القرار محل الجدل فيما يعنى أن ثمنه سيكون الإطاحة بمكانه من رأس المحكمة الدولية.
وإذا كان من أمر لافت للنظر فهو زيادة عدد الدول المشاركة إلى 82 من بين 125 دولة مما يكشف عن حجم الضغوطات والاستقطابات التى أحاطت بمثل تلك الخطوة. فى تقديرى أن تلك الزيادة لا تعكس إيمان أو قناعة بهذه الخطوة -عزل خان- بقدر ما تعكس الرغبة فى الحفاظ على بقاء تلك المؤسسة الدولية بدلاً من أن يؤدى التمترس خلف الدفاع عن «خان» إلى تقويض عملها وتفريغه من مضمونه.
ربما يكون الدرس المستفاد من أزمة كريم خان العبارة الدارجة القائلة بأنه فى إطار العلاقات الدولية أصبح «اللعب على المكشوف». الرسالة التى تؤكدها تلك الخطوة أن الولايات المتحدة تستطيع أن تقوض مؤسسات دولية بفعل قوتها المالية ونفوذها وأنه من الأفضل إذا ما أراد العالم الحفاظ على تماسك نظامه الذى استقر على أسسه فيما بعد الحرب العالمية الثانية -المحكمة الجنائية تأسست عام 2002- أن يساير المواقف الأمريكية التى هى فى النهاية داعمة ومتبنية للمواقف الإسرائيلية.
صحيح أن ذلك قد لا يكون السلوك الذى من المتصور أن يسلكه النظام الدولى على صعيد مختلف القضايا العالمية أو حتى على المدى الطويل باعتبار أن أوراق القوة تتفلت من يد الولايات المتحدة ولكن هذا هو الواقع حتى اللحظة. ليس فيما نقول تبرئة لكريم خان أو إدانة له، وإنما رصد لواقع دولى يعكس خللا فى منظومة العدالة الدولية، ليس أدل عليه من النظر للقضية من زاوية مغايرة تتمثل فى التساؤل حول مآل الأمور فيما لو لم يصدر «خان» قراره بادانة نتنياهو وجالانت وإصدار أمر اعتقالهما؟
الإجابة ربما تكون معروفة وهى أن وضع كريم خان لم يكن ليتم المساس به حتى لو ثبت بحق أنه وقع فى خطأ بشأن الاتهام الذى وجه له بسوء السلوك الجنسى. وإذا كان من الصحيح أن قرار جمعية الدول الأعضاء بشأن «خان» لن يلغى الأحكام التى صدرت بشأن نتنياهو وجالانت، إلا أن ذلك لا يطرح الشكوك والتساؤلات حول مستقبل المحكمة الجنائية الدولية ذاتها فقط وإنما يطرح التساؤل حول آليات عمل النظام الدولى ككل من خلال مؤسساته المختلفة التى من الواضح أنه تم تحييدها أو تقليل فاعليتها على خلفية ذات الموقف وهو الرغبة فى توجيه عمل ذلك النظام على قاعدة رؤية قطب وقوة واحدة فيه.. وتلك هى الأزمة الحقيقية التى ينبغى الالتفات لها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض