نص الخطبة الثانية من زاد الأئمة والخطباء
كشفت وزارة الأوقاف المصرية عن نص الخطبة الثانية من الإصدار الخامس والستون من سلسلة زاد الأئمة والخطباء، والذي من المقرر أن يأتي بعنوان: إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا.
الخطبة الثانية: إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا
وأوضحت الأوقاف عبر حسابها الشخصي بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، عن نص الخطبة الثانية القادمة، والذي من المقرر أن يأتي على النحو التالي:
نص الخطبة الثانية من الإصدار الخامس والستون من سلسلة زاد الأئمة والخطباء
يعيش كثير من الأسر والطلاب هذه الأيام حالة من الترقب والانتظار مع إعلان نتائج الثانوية العامة والثانوية الأزهرية، فمن الناس من يفرح بنجاحه وتفوقه، ومنهم من يحزن لعدم تحقيق ما كان يتمناه، وهنا ينبغي أن نتذكر جميعًا أن الإسلام يربطُ الإنسان بالسعي والعمل، لا بمجرد النتائج، ويغرسُ في القلب الرضا بقضاء الله، مع الأخذ بالأسباب والاجتهاد.
الإسلام يدعو إلى العمل والاجتهاد
لقد أمر الله تعالى بالسعي وبذل الأسباب، فقال سبحانه: ﴿وَأَن لَّیۡسَ لِلۡإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ ٣٩ وَأَنَّ سَعۡیَهُۥ سَوۡفَ یُرَىٰ ٤٠ ثُمَّ یُجۡزَىٰهُ ٱلۡجَزَاۤءَ ٱلۡأَوۡفَىٰ﴾ [النجم: ٣٩-٤١]، فهذه الآيات أصل عظيم في أن الإنسان مأمور بالسعي، وأن الله تعالى لا يضيع عمل العاملين، وقال سبحانه: ﴿إِنَّا لَا نُضِیعُ أَجۡرَ مَنۡ أَحۡسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠]، وقال عز وجل: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُضِیعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِینَ﴾ [التوبة: ١٢٠]، وقال سبحانه: ﴿فَمَن یَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَیۡرࣰا یَرَهُۥ﴾ [الزلزلة: ٧]، فكل ساعة مذاكرة، وكل تعب، وكل صبر، وكل جهد، محفوظ عند الله تعالى، لا يضيع منه شيء.
الأخذ بالأسباب من تمام التوكل
إن بعض الناس يظنون أن التوكل يعني ترك الأسباب، وهذا فَهم خاطئ؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّلُ، أَمْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ» [رواه الترمذي] أي: خذ بالأسباب ثم توكل على الله.
وقال النبي ﷺ: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ» [رواه مسلم].
فالمؤمن يجتهد في المذاكرة، وينظم وقته، ويبذل جهده، ثم يفوض النتيجة إلى الله عز وجل.
من زرع حصد
هذه العبارة ليست حديثًا نبويًا، لكنها توافق سنة الله في الكون؛ فإن الله جعل لكل سبب نتيجة، ولذلك قال سبحانه: ﴿هَلۡ جَزَاۤءُ ٱلۡإِحۡسَٰنِ إِلَّا ٱلۡإِحۡسَٰنُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَا نُضِیعُ أَجۡرَ مَنۡ أَحۡسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠].
فمن اجتهد غالبًا يحقق ثمرة اجتهاده، وقد يمنع الله العبد من بعض ما يريد لحكمة يعلمها سبحانه، فيكون الخير فيما اختاره الله.
الفرح بالنجاح دون كبر
من وفقه الله للنجاح والتفوق فليحمَد الله، فإن الفضل أولًا وآخرًا لله تعالى، قال سبحانه: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعۡمَةࣲ فَمِنَ ٱللَّهِۖ﴾ [النحل: ٥٣]، وقال تعالى: ﴿لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِیدَنَّكُمۡۖ﴾ [إبراهيم: ٧]، فينبغي للمتفوق أن يشكر الله، ويحسن إلى والديه ومعلميه، وألا يحتقر غيره، فإن الفضل بيد الله.
رسالة إلى من لم يوفق
إلى كل طالب لم يحقق المجموع الذي كان يتمناه.. اعلم أن هذه النتيجة ليست نهاية الحياة، ولا تعني أنك فاشل، وإنما هي محطة من محطات العمر. قال تعالى: ﴿وَعَسَىٰۤ أَن تَكۡرَهُوا۟ شَیۡءࣰا وَهُوَ خَیۡرࣱ لَّكُمۡۖ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وقال سبحانه: ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ یُسۡرًا ٥ إِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ یُسۡرࣰا﴾ [الشرح: ٥-٦]، وقال جل وعلا: ﴿لَا تَقۡنَطُوا۟ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ﴾ [الزمر: ٥٣]، واليأس ليس من صفات المؤمنين، بل المؤمن يجدد نيته، ويستأنف العمل، ويجعل من إخفاقه بداية نجاح جديد.
لقد خرج النبي ﷺ إلى الطائف يدعو إلى الله، فقوبل بالأذى والسخرية، ورُمي بالحجارة حتى سالت قدماه الشريفتان دمًا، ومع ذلك لم ييأس، ولم يتوقف عن الدعوة، بل قال: «اللهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ» [رواه البيهقي في شعب الإيمان]، ثم كانت الهجرة، ثم قيام الدولة الإسلامية، ثم فتح مكة، ودخل الناس في دين الله أفواجًا.
وكذلك في غزوة أحد، أصيب المسلمون بما أصيبوا به، فنزل القرآن يربيهم ويعلمهم ألا يقفوا عند الهزيمة، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا۟ وَلَا تَحۡزَنُوا۟ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِینَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]، فكانت الهزيمة درسًا، ثم جاء بعدها النصر والتمكين.
النتيجة مرحلة وليست نهاية الطريق
فمن نجح فليشكر الله، وليزدد تواضعًا واجتهادًا، ومن أخفق فلا يحزن ولا يستسلم، فإن كثيرًا من الناجحين في الحياة تعثروا في بداياتهم، ثم فتح الله لهم أبوابًا لم يكونوا يتوقعونها، وتذكروا دائمًا قول الله تعالى: ﴿وَقُلِ ٱعۡمَلُوا۟ فَسَیَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۖ﴾ [التوبة: ١٠٥].
إجراءات عملية بعد ظهور نتائج الثانوية
١- الرضا بقضاء الله: استقبل النتيجة بقلب مؤمن يعلم أن ما اختاره الله خير، وأن الأقدار لا تمنع الأرزاق ولا تغلق أبواب المستقبل.
٢- شكر الله على كل حال: فالناجح يشكر نعمة التوفيق، ومن أخفق يحمد الله على كل قضاء، ويوقن أن الخير فيما اختاره الله.
٣- الهدوء وعدم التسرع: لا تُتخذ القرارات في لحظة الفرح أو الصدمة، بل يُترك للنفس وقت حتى تهدأ، ثم تُبنى القرارات على الحكمة.
٤- محاسبة النفس: راجع أسباب النجاح وحافظ عليها، أو أسباب التقصير لتعالجها بعيدًا عن تبرير الأخطاء أو تعليقها على الآخرين.
٥- التخطيط للمرحلة القادمة: فالنتيجة نهاية مرحلة وليست نهاية الطريق، ولكل مرحلة أهدافها وخطتها المناسبة.
٦- الاستشارة قبل الاختيار: يستشير الوالدين وأهل الخبرة والمتخصصين قبل تحديد الكلية أو المسار الدراسي أو المهني.
٧- عدم المقارنة بالآخرين: فلكل إنسان قدراته وظروفه ورزقه، والمقارنة تورث الإحباط أو الكبر، وكلاهما مذموم.
٨- حفظ اللسان والمشاعر: يهنئ الناجح بتواضع، ويواسي من لم يوفق بكلمة طيبة، ويجتنب السخرية أو التفاخر أو كسر الخواطر.
٩- بر الوالدين وشكر أهل الفضل: فالوالدان والمعلمون شركاء في النجاح، ومن الوفاء الاعتراف بفضلهم والدعاء لهم.
١٠- اغتنام الوقت: فلا يضيع الطالب أيامه بعد النتيجة في الفراغ، بل يبدأ بتنمية علمه ومهاراته واستثمار إجازته فيما ينفع.
١١- المداومة على الدعاء والاستغفار: فالتوفيق بيد الله، ومن لزم باب الله فتح له من الخير ما لا يحتسب.
١٢- تعزيز الثقة بالله ثم بالنفس: فلا يجعل الطالب مجموعه معيارًا لقيمته، وإنما يستمد ثقته من إيمانه، ويؤمن أن النجاح الحقيقي ثمرة الاجتهاد والاستمرار.
١٣- التمسك بالأخلاق مع التفوق: فالعلم بلا خلق لا يرفع صاحبه، وأجمل ما يزين النجاح التواضع وحسن التعامل مع الناس.
وأخيرًا.. إن النتائج ليست أحكامًا نهائية على مستقبل الأبناء، وإنما هي محطة من محطات الحياة؛ فمن شكر عند النجاح زاده الله، ومن صبر عند التعثر وعمل بالأسباب فتح الله له من أبواب الفضل ما لم يكن يتوقع.
ونسأل الله تعالى أن يبارك في الناجحين، وأن يعوض من لم يوفق خيرًا، وأن يجعل أبناءنا وبناتنا من أهل العلم النافع والعمل الصالح، وأن يرزقهم التوفيق والسداد في الدنيا والآخرة، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض