صائد الجوائز وآخرها "الشيخ زايد"
أشرف العشماوي: المشهد الثقافي فوضوي "إلى حد ما".. ونحتاج مشروعًا وطنيًا
*القضاء علمني احترام الحقيقة لكنه لم يقيد خيالي
*نحتاج وزيرًا بعقلية وثقافة ثروت عكاشة وأتمنى أن يكون شابا
*الجيل التالي لي أفضل مني بكثير
*البعض يستسهل في كتابة الرواية التاريخية إرضاء للسوق
*الجوائز الكبرى قربت بين الكتّاب والقراء والناشرين
*لا تصنع الجائزة كاتبًا كبيرًا ولا تلغي كاتبًا حقيقيًا
*الزمن والقراء هما لجنة التحكيم الأهم
*السينما تخسر الصوت الداخلي للشخصيات والخيال الذي يمنحه النص
*الرواية لا تحاكم التاريخ بل تمنحه فرصة ليُروى من زاوية مختلفة
*على الواقعية أن تغيّر أدواتها
*إذا امتلكت الرواية إنسانيتها فإنها تتجاوز حدود اللغة والجغرافيا
*العشماوي للشباب: لا تكتبوا طلبا لشهرة بل لأن لديكم ما يستحق أن يُقال
منذ بدأتُ قراءة أعمال القاضي أشرف العشماوي، بدا جليا أنني أمام روائي لا يبحث عن الإثارة بقدر ما يبحث عن الحقيقة؛ تلك الحقيقة التي لا تسكن الوثائق وحدها، ولا تنطق بها الأحكام القضائية، بل تختبئ في التفاصيل الصغيرة، وفي أصوات الذين لم يكتب التاريخ أسماءهم.
لم يكن يشغلني فقط، وأنا أستعد لهذا الحوار، الفوز الكبير الذي حققته روايته «مواليد حديقة الحيوان» بحصولها على جائزة الشيخ زايد للكتاب في فرع الآداب هذا العام، بل كان يشغلني الإنسان الذي يقف خلف هذا الإنجاز؛ قاضٍ يقبض على ميزان العدالة بكلتا يديه، وروائي يطلق العنان لخياله ليعيد تشكيل الواقع، ويمنح المهمشين فرصة جديدة للحديث. كنت أبحث عن الإجابة عن سؤال ظل يرافقني طوال الحوار: كيف يستطيع رجل يحكم بالأدلة أن يكتب بعاطفة، وكيف يظل وفيًا للحقيقة دون أن يقيد خياله؟
وخلال الحديث، اكتشفت أن العشماوي لا يتعامل مع الرواية باعتبارها وسيلة للوعظ أو إصدار الأحكام، بل يراها فنًا يطرح الأسئلة ويترك للقارئ حرية البحث عن إجاباته.
ففي عالم أشرف العشماوي، لا ينفصل الأدب عن الحياة، ولا تغيب العدالة عن الخيال؛ فكل رواية يكتبها تبدو محاولة جديدة لفهم الإنسان، وكل شخصية يبتكرها تحمل سؤالًا مفتوحًا عن الحقيقة، والسلطة، والحرية، والذاكرة. ولذلك ظل حضوره الأدبي قائمًا على معادلة نادرة، تجمع بين صرامة القانون ورهافة الإبداع، ليصبح أحد أبرز الروائيين الذين منحوا الرواية المصرية صوتًا مختلفًا في السنوات الأخيرة.
وإذا ما انتقلنا لسيرة العشماوي، فإنها لا تبدو مجرد رحلة بين قاعات المحاكم وصفحات الروايات، بل هي حكاية كاتب آمن بأن العدالة لا تُصنع بالقانون وحده، وإنما بالكلمة أيضًا. هكذا انتقل من منصة القضاء، حيث تُوزَن الوقائع بميزان الدقة، إلى عالم الأدب، حيث تُوزَن النفوس بما تختزنه من مشاعر وأسئلة وصراعات إنسانية.
ولد أشرف العشماوي في الدقي بمحافظة الجيزة في يوليو 1966. تخرج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1988، وعمل في شركات الإعلانات ثم الصحافة ولفترة وجيزة بالمحاماة، ثم التحق بالنيابة العامة، وتدرج في مناصبها حتى أصبح قاضيًا بمحكمة استئناف القاهرة ولا يزال يشغل هذا المنصب إلى الآن.
وقد انعكست خبرته القانونية العميقة على مشروعه الأدبي، فبدت رواياته مشغولة بكشف خبايا المجتمع، واستنطاق التاريخ، والغوص في النفس البشرية، دون أن يقع في المباشرة أو الخطابة.
استطاع العشماوي أن يرسخ اسمه بين أبرز الأصوات الروائية المصرية المعاصرة، على امتداد أكثر من عشر روايات، حيث تنقّل العشماوي بين عوالم التاريخ والاجتماع والسياسة، مقدمًا أعمالًا حظيت باهتمام النقاد والقراء معًا. فوصلت روايته «تويا» إلى القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) عام 2012، وفازت «البارمان» بجائزة أفضل رواية في معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 2014، كما حصدت «كلاب الراعي» جائزة أفضل رواية تاريخية من ملتقى مملكة البحرين الثقافية عام 2019، وبلغت «بيت القبطية» القائمة القصيرة لجائزة ساويرس الثقافية عام 2020. وتوالت محطات التكريم مع فوز «صالة أورفانيللي» بجائزة الرواية في معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 2021، ثم نيل «الجمعية السرية للمواطنين» جائزة كتارا للرواية العربية عام 2023، قبل أن يتوج مسيرته بحصول روايته «مواليد حديقة الحيوان» على جائزة الشيخ زايد للكتاب في فرع الآداب عام 2026، إحدى أرفع الجوائز الأدبية العربية.

في هذا الحوار، يفتح أشرف العشماوي أبوابًا كثيرة؛ يتحدث عن العلاقة بين القضاء والكتابة، وعن الواقعية التي لا تموت بل تتجدد، وعن الرواية التاريخية، والسينما، والجوائز الأدبية، بوصفها اعترافًا بقيمة الجهد، لكنها ليست شهادة نهائية بالنجاح، وعن العالمية التي لا تصنعها الألقاب، بل يصنعها النص القادر على أن يعبر الحدود ويلامس إنسانًا لم يعرف لغة كاتبه ولا بلده.
وبين صرامة القاضي وحساسية الروائي، تتشكل رؤية تؤمن بأن الأدب الحقيقي لا يمنح إجابات جاهزة، وإنما يوقظ الأسئلة، ويعيد إلينا القدرة على رؤية العالم بعيون أكثر اتساعًا وعمقًا.
وإلى نص الحوار...

* تُعد جائزة الشيخ زايد للكتاب محطة مهمة في مسيرة أي كاتب عربي. بعيدًا عن قيمتها المعنوية، كيف عشت لحظة علمك بالفوز؟ وهل شعرت أن المسئولية تضاعفت، خاصة وأنت تجمع بين رسالة القضاء ورسالة الأدب؟
_ لا أخفي أن لحظة الفوز كانت مؤثرة، فالجائزة لا تضيف إلى اسم الكاتب بريقا فقط، إنما تمنحه يقينًا بأن سنوات العزلة والعمل الشاق لم تذهب سدى، فالكاتب يقضي سنوات مع رواية لا يعرف كيف سيستقبلها الناس، ثم تأتي جائزة بهذا الحجم لتقول له إن الطريق الذي اختاره كان يستحق العناء. أما المسئولية، فهي بالتأكيد تتضاعف، الجوائز الكبرى لا تمنح الكاتب امتيازًا، لكنها تضعه أمام امتحان أصعب، حيث يصبح مطالبًا بأن يكون وفيًا لفنه لا لتوقعات الآخرين. وعلى المستوى الشخصي أنا عشت لحظة سعيدة للغاية عند فوزي بجائزة الشيخ زايد للآداب هذا العام.
* روايتك "مواليد حديقة الحيوان" نالت جائزة الشيخ زايد فرع الآداب. هل جائزة عربية كبرى كتلك تفتح للرواية أبواب العالمية، أم تحصرها في تصنيف الأدب العربي؟
_ الجائزة تفتح الباب للعالمية بالطبع من خلال فرص الترجمة لكنها لا تجعل أحدًا يعبره بسهولة، فالعالمية لا تُمنح بقرار أو جائزة فقط، وإنما تتحقق عندما يجد قارئ آخر في لغة أخرى نفسه داخل الحكاية، الجوائز الكبيرة توفر الضوء، أما الذي يبقى كمعيار للنجاح والوصول للعالمية فهو النص. إذا امتلكت الرواية إنسانيتها، فإنها قادرة على تجاوز حدود اللغة والجغرافيا.
* روايتك تمزج الواقعية باللامعقول. هل النقد العربي مؤهل لتفكيك هذه البنية؟
_ بالطبع نعم، لدينا نقاد كبار يمتلكون القدرة والمعرفة، الرواية الحديثة تطرح الأسئلة أكثر مما تقدم الإجابات، وتترك للقارئ مساحة واسعة للتأويل، وأنا أؤمن بأن القارئ الذكي شريك في كتابة النص، وليس مجرد متلقٍ.

* قيل إنك تعيد تقديم الواقعية العربية برؤية معاصرة. فهل ماتت الواقعية؟
_ الواقعية لا تموت أبدا حتى عند تقديمها برؤية معاصرة، لكنها تتطور طوال الوقت، فلم تعد مجرد نقل فوتوغرافي للحياة، لكنها أصبحت تكشف ما وراء الواقع وتقترب من العبث والرمز واللامعقول دون أن تنفصل عن الإنسان. الواقع نفسه أصبح أكثر غرابة من الخيال، ولذلك كان على الواقعية أن تغيّر أدواتها.
* لماذا تضع أبطالك دائمًا على حافة التاريخ المنسي؟ وهل تأتي الرواية لتعوض ما عجز عنه القانون؟
_ لأن التاريخ الرسمي يكتبه المنتصرون غالبًا ولا يأتي إلينا كاملًا، أما الرواية فتبحث عن أصوات الذين سقطوا خارج السرديات الكبرى وعاشوا على الهامش وربما كان لهم دور أكبر في صناعة التاريخ، لا أرى أن الرواية تحاكم التاريخ، لكنها تمنحه فرصة أخرى ليُروى من زاوية مختلفة. القانون يحكم وفق الأدلة، أما الرواية فتسأل عن المختبئ خلف الوقائع. كتابة التاريخ كما حدث يتحول لرواية تسجيلية لا فن فيها.

* هل يمنحك القضاء حصانة سردية أم يفرض عليك قيودًا؟
_ يفرض عليّ مسئولية، وهناك قيود بالطبع بسبب طبيعة الوظيفة وسَمتِها، القضاء علمني احترام الحقيقة، لكنه لم يقيد خيالي. فما أكتبه برواياتي ليس محاضر تحقيق، وإنما أدب خالص، وأحرص دائمًا على ألا تتحول معرفتي القانونية إلى استعراض داخل النص.
* "كابينة لا ترى البحر" و"مزرعة الخنازير" يحملان طابعًا كابوسيًا. هل نعيش واقعًا أم كابوسًا؟
_ ربما الحياة تجمع الاثنين، هناك ما يبدو كابوسًا لكنه صار مألوفًا وهناك ما نظنه واقعًا بينما هو نتيجة تراكم طويل من الأخطاء. وظيفة الأدب ليست أن يقرر، بل أن يجعلنا نعيد النظر فيما اعتدناه عبر تسليط الضوء على المسكوت عنه، وليست وظيفة الرواية تقديم حلول أو نهايات سعيدة كما يظن البعض.
* حين تتحول الرواية إلى فيلم، فماذا تخسر؟
_ في ظني عند التحويل لا يتم نقلها حرفيا، فالرواية لا تُنقل إلى السينما كما هي لكن يُعاد خلقها. السينما تكسب بالصورة والصوت، لكنها تخسر الصوت الداخلي للشخصيات، ومساحة الخيال التي يمنحها النص للقارئ. وإذا احترم المخرج روح الرواية وفهم مغزاها خرج عمل جديد لا يقل قيمة عنها. أما إذا تعامل معها بوصفها مادة تجارية فقط وحكاية سطحية فستفقد جوهرها.
* في رأيك، هل أنصفت الجوائز العربية جيل الوسط؟
_ لا أعرف بالتحديد، لكن يقال إن الجوائز أكثر عدالة مما كانت عليه من عشر سنوات، في النهاية هي ذائقة للجان التحكيم لكنها ليست معصومة، لكن دعينا نقول إنه لا توجد جائزة تستطيع أن تصنع كاتبًا كبيرًا، كما لا تستطيع أن تلغي كاتبًا حقيقيًا. الزمن والقراء هما لجنة التحكيم الأهم.

* ما دور الجوائز الكبرى في مد جسور التواصل بين المبدعين العرب؟
_ أعتقد أن جائزة الشيخ زايد وكتارا والبوكر وغيرها من الجوائز المرموقة نجحت في تقريب المسافات بين الكتّاب والقراء والناشرين في العالم العربي وساهمت في جعل المبدعين العرب يعرفون بعضهم أكثر وعن عمق من خلال القراءة واللقاءات بالمعارض العربية والدولية. كما ساهمت في لفت الانتباه إلى أعمال ربما لم تكن لتحظى بالانتشار نفسه. لكنها لا تلغي خصوصية كل بلد، وهذا التنوع هو مصدر ثراء الأدب العربي.
* لو قدمت المشهد الروائي العربي الحالي إلى المحاكمة، فما التهمة؟
_ ربما هناك استسهال لدى البعض في كتابة الرواية التاريخية الآن، وتكرار لدى آخرين في كتابة نفس الفكرة بعد نجاح العمل السابق، وهناك انشغال أحيانًا بما يرضي السوق أكثر مما يرضي الضمير الفني. لكن في المقابل هناك أصوات عربية مدهشة تمنحنا الأمل بأن الرواية العربية تعيش مرحلة نضج حقيقية. الجيل التالي لي أفضل مني بكثير، وأنا أتحدث عن نفسي فقط لا عن الآخرين.
* هل أصبحت الرواية هي النائب العام البديل؟
_ لا. الرواية ليست سلطة تحقيق، ولا محكمة قضائية، الرواية فن أدبي خالص، دورها فقط أن تطرح الأسئلة، وأن تكشف التعقيد الإنساني وأن تعيد كتابة التاريخ بصورة فنية لنفهم أعمق، لكن حين تتحول الرواية إلى قرار اتهام، تفقد جزءًا كبيرًا من قيمتها الفنية وتتحول إلى مقال طويل وممل أيضا.
* كيف ترى المشهد الثقافي المصري الحالي؟
_ فوضوي إلى حد ما، لكن رغم كل التحديات لا يزال قادرًا على إنتاج أسماء مهمة في الرواية والشعر والقصة. ما نحتاجه هو مشروع ثقافي طويل النفس، يراهن على التثقيف الجاد المتعمق والقراءة المتنوعة ودعم النشر والترجمة، لأن الثقافة لا تزدهر بالمناسبات والاحتفالات، وإنما بالاستمرارية.

* هل هناك مشروع ثقافي جماعي في مصر؟
_ حتى الأن وفي حدود علمي لا يوجد مشروع قومي، رغم أن لدينا طاقات إبداعية كبيرة، نحن فقط بحاجة إلى رؤية مؤسسية أكثر وضوحًا، تجعل الثقافة مشروعًا وطنيًا لا مجرد جهود فردية لكل وزير. الآن نحتاج وزيرًا بعقلية وثقافة ثروت عكاشة حتى ننهض من جديد، وأتمنى أن يكون شابا ليتواصل مع الأجيال الجديدة.
* هل ما زال النقد يتحفظ على الرواية البوليسية والتاريخية؟
_ ربما إلى حد ما بالنسبة للرواية البوليسية، وأظن أن كاتبها لا ينتظر نقدا، لكن أنا ضد التصنيف ولا أؤمن به لكن بعض النقاد ينظرون إلى هذه الأنواع باعتبارها أدبًا جماهيريًا خاصة البوليسي منها، بينما الحقيقة أن القيمة لا تحددها تصنيفات الرواية وإنما جودة الكتابة. العدالة النقدية تعني أن يُحاكم النص بما حققه فنيًا، لا بنوعه الأدبي.
* كلمة أخيرة يوجهها أشرف العشماوي للشباب.
_ أتمنى أن يكون زمانكم أفضل من زمني، وأرجو ألا تكتبوا لأنكم تريدون الشهرة والمال فقط، ولا لأن الجوائز تغريكم، ولا لأن وسائل التواصل تمنح التصفيق السريع، اكتبوا لأن لديكم ما يستحق أن يُقال، اسألوا أنفسكم لماذا نكتب أولا وبعدها اقرأوا كثيرًا، واصبروا ولا تخافوا من الفشل. الرواية الحقيقية لا تُولد فقط من الرغبة في النجاح وإنما من الإيمان بأن الحكاية تستحق أن تُروى، مهما كان الطريق طويلًا أو صعبًا.







تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض