رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

بسبب التغيرات المناخية: مصر حديقة مفتوحة للحيوانات البرية

بوابة الوفد الإلكترونية

الثعابين والورل والتماسيح تثير المخاوف.. وخبراء يكشفون الحقيقة

التوسع العمرانى والعبث بالحياة البرية أبرز الأسباب.. ودراسة أثر اختلال السلسلة الغذائية ضرورة

المخلفات والقمامة توفر بيئة مثالية للقوارض وتجذب الثعابين إلى المناطق السكنية.. والخفافيش ليست مصاصة للدماء

الجعفرى: اختلال التوازن البيئى وراء انتشار الزواحف.. والقطط خط الدفاع الأول ضد الثعابين.. وتراجع أعدادها ساهم فى انتشار القوارض

 

لم يعد ظهور حيوان برى أو زاحف داخل منطقة مأهولة بالسكان فى مصر مجرد واقعة عابرة، بل أصبح مشهدًا يتكرر بشكل لافت خلال الأشهر الأخيرة. تماسيح صغيرة تظهر فى بعض الترع، الورل النيلى يتجول بالقرب من الكتل السكنية، ثعابين تعثر عليها الأسر داخل المنازل، وخفافيش تحلق فى بعض شوارع القاهرة، فضلًا عن تزايد شكاوى المواطنين من ظهور حيوان العرس فى القرى والمزارع، فى مشاهد لم تكن مألوفة من قبل، لتفتح الباب أمام تساؤلات عديدة حول ما إذا كانت هذه الوقائع مجرد حوادث متفرقة، أم أنها تعكس تغيرًا أعمق فى المنظومة البيئية فى مصر.

مشاهد غير مألوفة

خلال الفترة الماضية، تداولت مواقع التواصل الاجتماعى ووسائل الإعلام عددًا من الوقائع التى أثارت اهتمام الرأى العام، بعدما تم رصد تماسيح صغيرة فى بعض المجارى المائية، وظهور الورل النيلى فى مناطق قريبة من السكان، إلى جانب العثور على ثعابين داخل منازل أو أراضٍ زراعية، فضلًا عن انتشار مقاطع فيديو لخفافيش فى بعض شوارع القاهرة، بالإضافة إلى تكرار شكاوى المواطنين من هجمات حيوان العرس على مزارع الدواجن.
ورغم اختلاف طبيعة هذه الكائنات وبيئاتها، فإن اجتماعها فى توقيت متقارب أثار تساؤلات حول وجود تغيرات بيئية تستحق الدراسة، خاصة أن معظم هذه الحيوانات ترتبط فى الأصل ببيئات طبيعية بعيدة عن التجمعات السكانية.
ويؤكد متخصصون فى علوم البيئة أن الطبيعة تقوم على شبكة غذائية معقدة، لكل كائن فيها دور محدد يسهم فى الحفاظ على التوازن بين الأنواع المختلفة، فزيادة أعداد نوع معين أو اختفاء نوع آخر قد ينعكس على بقية مكونات النظام البيئى.
فالقوارض، على سبيل المثال، تمثل غذاءً رئيسيًا للثعابين وبعض الطيور الجارحة، بينما تتغذى الخفافيش على ملايين الحشرات، وتسهم فى الحد من انتشارها بصورة طبيعية، كما تؤدى بعض الحيوانات البرية دورًا مهمًا فى ضبط أعداد كائنات أخرى، وهو ما يجعل أى تغيير فى هذا التوازن محل اهتمام الباحثين.
ويرى الخبراء أن اختلال السلسلة الغذائية لا يحدث بسبب عامل واحد، وإنما نتيجة تراكم عدة عوامل تمتد آثارها لسنوات، وهو ما يستدعى دراسة الظاهرة بصورة علمية قبل الربط بين الأسباب والنتائج.

الكلاب الضالة

من بين الأسئلة التى طُرحت بقوة خلال الفترة الأخيرة، ما إذا كانت حملات الحد من أعداد الكلاب الضالة قد يكون لها تأثير غير مباشر على المنظومة البيئية، باعتبار أن الكلاب تتغذى أحيانًا على بعض القوارض والحيوانات الصغيرة، بما يجعلها أحد عناصر السلسلة الغذائية فى البيئات الحضرية والريفية.
إلا أن خبراء البيئة يشددون على أن هذا الطرح لا يزال فى إطار الفرضيات العلمية، ولا توجد حتى الآن دراسات منشورة أو أدلة علمية تثبت وجود علاقة سببية مباشرة بين تقليل أعداد الكلاب الضالة وبين زيادة ظهور الثعابين أو التماسيح أو الخفافيش فى مصر.
وتعليقا على هذا أكد الدكتور مصطفى الجعفرى، استشارى الطب البيطرى، أن التغيرات المناخية تمثل أحد أبرز أسباب تزايد ظهور الزواحف والقوارض خارج بيئاتها الطبيعية خلال الفترة الأخيرة، موضحًا أن ارتفاع درجات الحرارة يدفع العديد من الكائنات إلى البحث عن أماكن أكثر ملاءمة للغذاء والمأوى، وهو ما يفسر تكرار مشاهدة الثعابين والقوارض داخل المناطق السكنية.
وقال «الجعفرى» لـ«الوفد»، إن اختلال التوازن البيئى لعب دورًا مهمًا فى هذه الظاهرة، مشيرًا إلى أن تراجع أعداد القطط، التى تُعد العدو الطبيعى للفئران والثعابين، ساهم فى زيادة انتشارها، لافتًا إلى أن وجود أعداد كبيرة من الكلاب الضالة فى بعض المناطق قد يؤدى إلى طرد القطط وتقليص دورها البيئى.
وأضاف أن هناك علاقة غير مباشرة بين زيادة الكلاب الضالة وانتشار الزواحف والقوارض، مستشهدًا بتصريحات الدكتورة هند الشيخ، بإدارة التراخيص والتعامل مع الحيوانات الخطرة بالهيئة العامة للخدمات البيطرية، والتى أكدت ارتفاع أعداد الثعابين والزواحف السامة بأكثر من خمسة أضعاف خلال الآونة الأخيرة.
وأشار إلى أن تراكم القمامة والمخلفات يوفر بيئة مناسبة لتكاثر القوارض، التى تمثل الغذاء الرئيسى للثعابين، ما يفسر انتقالها إلى المناطق المأهولة بالسكان، مؤكدًا أن مواجهة الظاهرة تتطلب تحسين منظومة النظافة والحفاظ على التوازن البيئى.
وفيما يتعلق بظهور التماسيح فى بعض الترع، أوضح «الجعفرى» أن الظاهرة لا تزال بلا تفسير علمى واضح، مؤكدًا أن السد العالى يمنع انتقالها من بحيرة ناصر، كما طمأن المواطنين بشأن الخفافيش المنتشرة فى بعض المناطق، موضحًا أنها من نوع خفافيش الفاكهة غير الضارة بالإنسان، وأن خفافيش مصاصى الدماء لا تعيش فى مصر، وإنما تنتشر فى أمريكا اللاتينية، مرجحًا أن يكون ظهورها مرتبطًا أيضًا بالتغيرات المناخية.

تغير فى خريطة الحياة البرية

يرى باحثون أن التغيرات المناخية أصبحت أحد أبرز العوامل المؤثرة فى سلوك الحيوانات البرية حول العالم، فارتفاع درجات الحرارة، وتغير معدلات الأمطار، وتراجع بعض الموائل الطبيعية، كلها عوامل تدفع العديد من الكائنات إلى البحث عن مصادر جديدة للمياه والغذاء، وقد يقودها ذلك إلى الاقتراب من المناطق السكنية.
كما أن موجات الحر الشديدة قد تزيد من نشاط الزواحف، خاصة الثعابين، التى تصبح أكثر حركة خلال الفترات الحارة، فى حين قد تدفع التغيرات البيئية بعض الحيوانات إلى تغيير نطاق انتشارها التقليدى.

الزحف العمرانى

لم يعد العمران يتوقف عند حدود المدن القديمة، بل امتد خلال السنوات الأخيرة إلى مناطق كانت تمثل موائل طبيعية للعديد من الكائنات البرية، وهو ما أدى إلى زيادة فرص الاحتكاك المباشر بين الإنسان والحيوان.
ويشير متخصصون إلى أن الزحف العمرانى، إلى جانب تجريف بعض الأراضى أو إزالة الغطاء النباتى، يدفع الحيوانات إلى مغادرة بيئاتها الأصلية، لتظهر داخل القرى أو المدن بحثًا عن الغذاء أو المأوى، وهو ما يفسر جانبًا من الظواهر التى شهدتها مصر مؤخرًا.
وهو ما أكده الدكتور سامى عبداللطيف، أستاذ بيئة الحيوان بجامعة الأزهر، موضحا أن ظهور التماسيح فى بعض الترع لا يعد أمرًا مستبعدًا من الناحية العلمية، موضحًا أن مياه النيل والترع تمثل بيئة مناسبة لها، ومن المحتمل أن يكون ظهورها ناتجًا عن تسرب بعضها من بحيرة ناصر عبر السد العالى.
وأوضح «عبداللطيف» أن مشاهدة الزواحف والثعابين فى المناطق الصحراوية أو التجمعات العمرانية الجديدة المقامة بالقرب من البيئات الطبيعية يُعد أمرًا متوقعًا، حيث تضم هذه المناطق أنواعًا عديدة من الكائنات، مثل الورل والضب والثعابين، مؤكدًا أن هناك حالة من التهويل فى التعامل مع هذه الوقائع، رغم أن أغلبها يندرج ضمن السلوك الطبيعى للحياة البرية.
وأشار إلى أن نحو ربع أنواع الثعابين الموجودة فى مصر فقط سامة، لافتًا إلى أن الثعابين لا تهاجم الإنسان بهدف الاعتداء، وإنما تلجأ إلى استخدام السم كوسيلة للدفاع عن نفسها عند الشعور بالخطر، وهو ما يستوجب التعامل معها بحذر والابتعاد عنها.
وأكد أستاذ بيئة الحيوان أن التعامل الصحيح مع حالات لدغات الثعابين أو عقر الحيوانات يعتمد على سرعة تقديم المصل المناسب، مشيرًا إلى أن الأمصال متوافرة بكميات كافية، وأن بعض حالات الوفاة ترجع إلى التأخر فى التشخيص أو نقص التدريب الطبى على بروتوكولات العلاج، وليس إلى نقص الأمصال.
وأضاف أن وجود حيوان العِرس فى الشوارع ليس ظاهرة جديدة، وإنما هو جزء من التنوع البيولوجى منذ سنوات طويلة، محذرًا فى الوقت نفسه من أن الاستخدام المفرط للمبيدات، خاصة المبيدات الحشرية، يمثل تهديدًا حقيقيًا للتوازن البيئى، إذ تسبب فى تراجع أعداد كائنات نافعة، مثل الضفادع، التى تؤدى دورًا مهمًا فى مكافحة الآفات داخل البيئات الزراعية.
وشدد «عبداللطيف» على أهمية التعايش مع مكونات البيئة والحفاظ على التنوع البيولوجى، مؤكدًا أن الخطر الحقيقى يكمن فى الإخلال بالنظام البيئى، مع ضرورة توخى الحذر من الثعابين الكبيرة التى قد تمثل تهديدًا فى بعض مناطق وادى النيل والدلتا.

الخفافيش.. ضيف مخيف لكنه مفيد

ورغم الصورة الذهنية السلبية المرتبطة بالخفافيش، فإن علماء البيئة يؤكدون أنها تمثل أحد أهم عناصر التوازن البيئى، إذ تتغذى على أعداد هائلة من الحشرات، وتؤدى بعض أنواعها دورًا فى تلقيح النباتات ونشر البذور.
ويحذر الخبراء من التعامل مع ظهور الخفافيش باعتباره مؤشرًا على وجود خطر دائما، مؤكدين أن وجودها قد يكون مرتبطًا بتغير أماكن المبيت أو البحث عن الغذاء، وليس بالضرورة انتشار الأمراض أو حدوث تهديد مباشر للسكان.
وأكد الدكتور محمد طنطاوى، خبير البيئة ورئيس جهاز شئون البيئة بأسيوط السابق، أن التغيرات المناخية أصبحت من أبرز العوامل المسببة لزيادة ظهور الحشرات والزواحف داخل القرى والمدن الجديدة، موضحًا أن الارتفاع المستمر فى درجات الحرارة يؤدى إلى تسريع دورة حياة الحشرات، مثل البعوض والذباب والصراصير، حيث يفقس البيض فى فترات أقصر، ما يضاعف معدلات تكاثرها.
وقال «طنطاوى» لـ«الوفد»، إن الثعابين، باعتبارها من ذوات الدم البارد، تتأثر بشكل مباشر بارتفاع درجات الحرارة، إذ تصبح أكثر نشاطًا، وتخرج من جحورها مبكرًا، وتزداد حاجتها للغذاء، كما تطول فترة بقائها نشطة خلال العام.
وأضاف أن الأمطار والرطوبة تسهمان أيضًا فى انتشار الحشرات، من خلال تكوين المستنقعات التى تمثل بيئة مثالية لتكاثر البعوض، فضلًا عن إغراق جحور الثعابين، ما يدفعها إلى البحث عن أماكن جافة، قد تكون داخل المناطق السكنية. كما تؤدى زيادة الغطاء النباتى بعد سقوط الأمطار إلى ارتفاع أعداد القوارض، وهو ما يجذب الثعابين باعتبارها مصدرًا رئيسيًا لغذائها.
وأشار إلى أن المدن الجديدة أكثر عرضة لهذه الظاهرة، بسبب أعمال البناء والمخلفات التى توفر أماكن للاختباء والتكاثر، إلى جانب غياب التوازن البيئى وقلة الأعداء الطبيعيين للحشرات والزواحف، فضلًا عن الإضاءة الليلية التى تجذب الحشرات، لتبدأ سلسلة غذائية تنتهى بظهور السحالى والضفادع ثم الثعابين.
وأوضح «طنطاوى» أن موجات الجفاف والفيضانات الناتجة عن التغيرات المناخية تدفع العديد من الزواحف والحشرات إلى الهجرة نحو التجمعات السكانية بحثًا عن الغذاء والبيئة المناسبة، مؤكدًا أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب الحفاظ على التوازن البيئى، والتوسع فى أعمال النظافة، وتقليل مسببات تغير المناخ قدر الإمكان.
وتواجه الثعابين والورل حالة من الرفض الشعبى بمجرد ظهورها، إلا أن خبراء الحياة البرية يؤكدون أن هذه الكائنات تؤدى دورًا مهمًا فى الحد من انتشار القوارض، التى تُعد من أخطر ناقلات الأمراض، كما تسهم فى الحفاظ على التوازن داخل النظم البيئية.
ويشدد المتخصصون على أن قتل هذه الحيوانات بصورة عشوائية قد يؤدى إلى نتائج عكسية، مطالبين بضرورة الإبلاغ عنها للجهات المختصة للتعامل معها وفق الأساليب العلمية.