لعل وعسى
تعتبر مؤشرات الاقتصاد العالمى من الأدوات الجوهرية التى يعتمد عليها الخبراء وصناع القرار لفهم حالة الاقتصاد وتحديد مساراته المستقبلية، فعبر متابعة هذه المؤشرات يمكن التنبؤ بالفرص والتحديات، سواء على مستوى الدولة أو على مستوى الاقتصاد العالمى بأكمله. وهنا يجب أن نفرق بين عملية النمو الاقتصادى والتى تشير إلى زيادة الإنتاج والدخل القومى خلال فترة معينة، وعملية التنمية الاقتصادية والتى هى أوسع من ذلك، حيث تشمل تحسين مستوى المعيشة، التعليم، الصحة، وتوزيع الدخل بشكل عادل، ويجب أن نلاحظ بأن النمو قد يكون سريعا دون أن يحقق تنمية حقيقية، بينما التنمية تهدف إلى رفاهية مستدامة لجميع أفراد المجتمع وهو ما نسعى جميعًا إلى تحقيقها بالإصرار على الالتزام بالمادة 27 من دستور مصر 2014، والتى يأتى من أهدافها دراسة مؤشرات النمو الاقتصادى ومؤشرات قياس التنمية الاقتصادية، لتكشف مدى التوازن بين الجوانب الإنتاجية والاجتماعية، وتساعد على فهم الفجوات التى قد تؤدى إلى ظهور مؤشرات التخلف الاقتصادية، والتى يأتى على رأسها ارتفاع معدلات البطالة والفقر، مع تراجع مستويات التعليم، وبالتالى الحد من تنمية رأس المال البشرى، وكذلك انعدام المساواة فى توزيع الدخل، بما يؤدى إلى هشاشة فى البنية الاجتماعية، مع الاعتماد المفرط على قطاع واحد دون تنويع حقيقى. وفى إطار متابعة وتحليل موقف مصر فى أهم هذه المؤشرات الصادرة عن المنظمات والمؤسسات الدولية المختلفة، قام مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، بإصدار عدد جديد من سلسلته الدورية «مصر فى المؤشرات الدولية من التحديات إلى الإنجازات» والتى تسلط الضوء على المؤشرات التى تم النجاح فى إحراز تقدم كبير بها خلال آخر عامين، وقد تلاحظ أن مصر قد تقدمت مصر خمسة مراكز فى مؤشر ريادة الأعمال، لتحقق المركز الـ 35 عالميًا من بين 53 دولة خلال عام 2025/2026، وهو ما يعكس التحسن فى مجالات التمويل والبنية التحتية والدعم الثقافى. كما تقدمت مصر فى مؤشر النظام البيئى العالمى للشركات الناشئة، حيث صعدت بنحو 16 مركزًا خلال ست سنوات لتحتل المرتبة رقم 65 عالميًا، وهو ما يعكس التحسن فى بيئة ريادة الأعمال وقدرة السوق المصرية على جذب ونمو الشركات الناشئة، حيث تضم شركة ناشئة تجاوزت قيمتها السوقية مليار دولار، ويبلغ معدل كثافة الشركات الناشئة نحو 4 شركات لكل 100 ألف نسمة. وبالتأكيد فإن هذه المؤشرات الإيجابية قد ارتكزت على مجموعة من النقاط القوية فى مصر، أهمها، تجاوز عدد سكان مصر ١١٠ ملايين نسمة، بما يوفر حجم سوق كبير يعزز فرص نمو الشركات الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال، كذلك تمتع مصر بميزة تنافسية فى توافر الكفاءات البشرية، حيث توفر مئات الآلاف من الخريجين سنويًا، مما جعلها ضمن أفضل 10 أنظمة بيئية للشركات الناشئة عالميًا من حيث توافر المواهب بتكلفة مناسبة، مع تمتع مصر بمستوى جاهزية رقمية يتميز بقدرة تنافسية ملحوظة. نقاط القوة السابقة نتج عنها مجموعة من الفرص المتاحة لريادة الأعمال فى مصر منها، التنوع الجغرافى والمساحة الشاسعة فى مصر والتى تتيح فرصًا لتطوير سياسات وبرامج ريادة أعمال، كذلك توافر فرص لتطوير الخدمات الاستشارية والتمويلية الداعمة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، بما يسهم فى تعزيز الشمول المالى مع التركيز على الشباب والنساء وتقليل الفوارق الإقليمية، كذلك التوجه نحو زيادة توافر رأس المال الأولى ورأس المال فى المراحل المبكرة ورأس المال الإستثماري الموجه للشركات الناشئة عالية المخاطر والإبتكار. ولا شك أن المقومات السابقة وما نتج عنها من فرص إستثمارية واعدة تحتاج إلى مزيد من الجهود للمؤسسات المصرية لدعم عملية ريادة الأعمال فى المجتمع.. وهو ما سنتناوله فى المقال القادم إن شاء الله.
رئيس المنتدى الاستراتيجى للتنمية والسلام
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض