رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

تناولت في مقالي الأسبوع الماضي خطورة أزمة انتشار الكلاب الضالة في الشارع المصري وأبعادها الصحية والبيئية. واليوم نلقي الضوء على التجارب الدولية في بناء "منظومة متكاملة لحيازة الكلاب والسيطرة على الحيوانات الضالة"؛ إذ تشير التجارب إلى أن معظم الدول المتقدمة أخذت قرارات حاسمة لإخلاء المدن والمجتمعات السكنية من كافة أشكال التواجد العشوائي للكلاب، تمشياً مع الاتجاه الحديث الذي يقر مبدأ "صفر كلاب ضالة في الشوارع".


وقد بحث في تفاصيل المنظومة المتبعة في الدول المتقدمة فيما يتعلق بملف حيازة الكلاب بما يحمي الصحة والسلامة العامة، والتي تبين أنها ترتكز علي أربعة أركان أساسية:


" أولاً : المنع من المصدر والترخيص الصارم "

لا يُسمح بوجود أي حيوان طليق بدون حائز مسؤول عنه قانونياً. وتفرض التشريعات غرس شريحة إلكترونية (Microchip) تحت جلد الكلب تُسجل رقم القيد الوطني وبيانات المالك، فضلاً عن تحصيل ضرائب ورسوم حيازة تُخصص نفقاتها لمواجهة الخسائر والنظافة العامة وإدارة الملاجئ. كما تشترط بعض الدول خضوع الحائز لاختبار كفاءة سلوكية، والالتزام بوضع كمامة وسلسلة إمساك في الأماكن العامة، مع إجبار الحائز على التأمين ضد الأضرار المدنية للغير.


" ثانياً: الإمساك الفوري والتتبع "

تتحرك فرق لضبط الحيوانات الأليفة أو الضالة فور رصد أي حيوان طليق بنقله إلى ملاجئ حكومية؛ فإذا كان مسجلاً بالشريحة يُستدعى المالك وتُفرض عليه غرامات إهمال باهظة، وإن كان بلا مالك فيتم إحالة الحيوان إلى الفحص البيطري والسلوكي لتحديد مساره (إما التبني المباشر بعد التعقيم، أو الإنهاء الطبي الرحيم للحيوانات الشرسة والمريضة وفق ضوابط بيطرية).


" ثالثاً: المسؤولية الجنائية والمدنية الصارمة "

تتعدى المسألة مجرد المخالفات الإدارية إلى فرض عقوبات جنائية رادعة تصل إلى السجن ومصادرة الحيوان في حال فقدان السيطرة عليه أو تسببه في أي عقر أو إتلاف للممتلكات العامة والخاصة.


" رابعاً: تبعات الفشل والنماذج الدولية لفقدان السيطرة "

إن التهاون في إدارة هذا الملف يحوله سريعاً من قضية رفاهية مجتمعية إلى تهديد عابر للقطاعات؛ وتتضح الخطورة بالنظر إلى تجربة الهند، التي تعد النموذج الأبرز لفقدان السيطرة بعد وصول أعداد الكلاب الضالة بها إلى عشرات الملايين. وقد خلف هذا الانفلات أضراراً جسيمة على كافة المستويات:

١- الأضرار الصحية:
تسجل الهند أعلى معدل وفيات بمرض "السعار" (داء الكلب) عالمياً بنسبة تقارب 35% من إجمالي الوفيات العالمية، ناهيك عن نشر الطفيليات والأمراض المشتركة وتلوث البيئة.

٢- الأضرار الاجتماعية والنفسية:
تسبب الانتشار العشوائي للقطعان الشرسة في إحداث حالة من الرعب المجتمعي، وتقييد حريات الأطفال والمسنين في الأماكن العامة، ونشوء نزاعات أهلية يومية بين المدافعين عن الحيوانات والأهالي المتضررين.

٣- الأضرار المالية والإرباك الاقتصادي:
تستهلك حالات العقر مليارات الدولارات سنوياً لشراء المصل واللقاحات الوقائية، فضلاً عن ضرب القطاع السياحي في مناطق مثل جزيرة "بالي" الإندونيسية التي شهدت تفشياً حاداً للمرض أضر بسمعتها الدولية.

٤- الأضرار الأمنية وإرباك أجهزة الدولة:
إن تحول الشوارع والمرافق العامة إلى بيئة غير آمنة يستنزف طاقات الأجهزة التنفيذية والأمنية في تتبع الحوادث والسيطرة على الغضب الشعبي، وفي بعض الحالات أدى انعدام السيطرة الرسمية إلى ظواهر الشغب والقتل العشوائي والتسميم المستتر من المواطنين غضباً.


" الهيكل التنفيذي المطلوب لإدارة الأزمة "

ونظراً للحيويّة البالغة لهذا الملف وتشعّب أبعاده الصحية والبيئية والأمنية، ينبغي أن تُسنَد إدارته إلى مجموعة عمل حكومية موسعة ومتكاملة، تضم ممثلين عن وزارات الصحة، والزراعة، والداخلية، والدفاع، والإدارة المحلية، والبيئة. كما تضم المجموعة متخصصين ممثلين عن قطاع البحث العلمي، إلى جانب ممثلين عن المجلس الأعلى للجامعات من الخبراء والمتخصصين في مجالات علوم الحيوان، والطب البيطري، والصحة العامة، وعلم الأوبئة، وغيرها من التخصصات ذات الصلة.
وتكتسب مشاركة وزارتي الدفاع والداخلية في هذه المجموعة أهمية استثنائية وبُعداً استراتيجياً، بالنظر إلى وجود شبهات ودلائل تشير إلى دور أجنبي في افتعال وتغذية هذه الأزمة واستغلالها في إطار ما يُعرف بالأجيال الجديدة من الحروب الحديثة (حروب الجيل الرابع والخامس) التي تستهدف المساس بالأمن القومي والاستقرار المجتمعي والصحي للبلاد، وهو ما يتطلب مواجهة هذا الخطر في مهده عبر خبراء مستقلين قبل أن يستنزف مقدرات الوطن.

 

* سياسي ونقابي والمستشار الأسبق لوزير البيئة