رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

يشهد الميدان الاستثماري والعقاري في مصر جدلاً شديداً حول مشروعات التطوير السياحي والساحلي الكبرى، والتي برز في صدارتها ملف مشروع مراسي في الساحل الشمالي المملوك لشركة إعمار العقارية ورئيسها محمد العبار، هذه الأزمة ليست مجرد خلاف تجاري بسيط بين مستثمر ودولة، بل قضية رأي عام معقدة تشتبك فيها الأبعاد القانونية والتاريخية بآليات الحفاظ على السيادة الوطنية، وتلقي بظلالها على سمعة البيئة الاستثمارية والأمن الاقتصادي، بالتوازي مع موجات الغضب الشعبي والإعلامي، مما يتطلب فهم نشأتها وتفكيك تأثيراتها لاستخلاص الرؤى التي تمكن من صياغة حلول متوازنة تحفظ المصلحة العليا للدولة دون الإضرار بفرص النمو.

تضرب جذور الأزمة في عمق التحولات الاقتصادية التي شهدتها مصر مع مطلع الألفية الجديدة، عندما اتجهت الدولة نحو فتح آفاق الاستثمار الأجنبي المباشر في منطقة الساحل الشمالي الغربي، عبر تخصيص مساحات شاسعة من الأراضي للبناء والتطوير العقاري والسياحي، حيث تمثل سياق بداية المشروع في حصول شركة إعمار على أراضٍ متميزة في منطقة سيدي عبد الرحمن، وهي منطقة تتمتع بطبيعة بيئية وتاريخية فريدة وشواطئ تُعد من الأجمل عالمياً، ومع امتداد السنوات وتوسع المشروعات، بدأت تطفو على السطح تساؤلات قانونية وإجرائية حول طبيعة عقود التخصيص، والالتزامات المتبادلة بين الدولة والمطور، وحدود صلاحيات التصرف في المساحات الشاطئية والموارد الطبيعية.

تتجلى الإشكالية القانونية في تناقض قوانين تشريعية معقدة، مثل القوانين المنظمة للحفاظ على الشواطئ والممتلكات العامة للدولة، وقوانين البيئة، بالإضافة إلى أطر قانون الاستثمار، حيث ينص القانون المصري صراحة على أن الشواطئ البحرية والمجاري المائية تعتبر من الأملاك العامة التي لا يجوز تملكها ملكية خاصة مطلقة أو اقتطاعها من النفع العام بما يحرم المواطنين من حقوقهم الطبيعية، ومن هنا نشأت ثغرات قانونية ونزاعات حول تعديلات العقود والموافقات البيئية المتعلقة بأعمال التجريف، وإنشاء الموانئ البحرية المخصصة لليخوت، والتغييرات التي طرأت على خط الشاطئ الطبيعي، مما أدى إلى نحر الساحل في مناطق مجاورة وتأثر شواطئ تاريخية أخرى، وهو ما وضع المشروع تحت طائلة المساءلة البيئية والقانونية، لا سيما مع تداخل الاختصاصات بين الهيئات الحكومية المختلفة كوزارة البيئة وهيئة التنمية السياحية والمحليات، مما جعل عمليات المتابعة والرقابة القانونية متأرجحة بين تسهيل إجراءات المستثمر الأجنبي وفرض القواعد الحازمة لحماية الملكية العامة.

ولا شك أن هذه الأزمة تمس جوهر مفهوم السيادة الوطنية على الأراضي والموارد الطبيعية، حيث تعيد صياغة العلاقة بين السلطة السيادية للدولة ونفوذ رؤوس الأموال الأجنبية الضخمة، إذ إن تخصيص مساحات ساحلية ممتدة لمستثمر واحد منح هذا الكيان قدرة على التأثير في الجغرافيا الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة، مما ولد شعوراً بوجود معازل استثمارية تتراجع فيها السيطرة الإدارية الروتينية للدولة لصالح إدارة خاصة، بينما تقتضي السيادة الوطنية ألا تكون الأراضي الشاطئية الاستراتيجية خارج نطاق الرقابة الدقيقة والنافذة للجهات السيادية، وأن تتفوق المصلحة العامة دائماً على البنود التجارية المقيدة لسيطرة الدولة.

فعلى صعيد الأمن القومي بمفهومه الشامل، فإن الساحل الشمالي الغربي يمثل ظهيراً استراتيجياً وأمنياً حساساً لمصر، والتغيرات الجغرافية والبيئية الناجمة عن المشروعات البحرية والتجريف والموانئ الخاصة قد تؤثر على الطبيعة التضاريسية للساحل، وهو ما ينعكس بدوره على الترتيبات الدفاعية والأمنية للمنطقة، يضاف إلى ذلك الأمن المائي والبيئي، إذ يؤدي تدمير البيئة البحرية إلى أضرار طويلة الأمد لا يمكن تداركها بالمال، مما يهدد الأمن الاستدامي للأجيال القادمة ويضعف القدرة الطبيعية للمنطقة على مواجهة التغيرات المناخية.

أما على الجانب الاقتصادي وسمعة مصر الاستثمارية، فتشكل الأزمة سلاحاً ذا حدين يحتاج إلى معالجة شديدة الحذر، فمن ناحية، يسهم الاستثمار الأجنبي المباشر الذي تمثله شركات مثل إعمار في ضخ أموال ضخمة وتوفير فرص عمل وتنشيط قطاعات البناء والسياحة والخدمات، ولكن من ناحية أخرى، فإن وجود نزاعات علنية أو أضرار بيئية غير معالجة أو تعديات على الحقوق العامة يضر بسمعة البيئة الاستثمارية نفسها، إذ يعطي انطباعاً بوجود غياب للتنسيق أو ضعف في تطبيق المعايير البيئية والقانونية منذ البداية، كما أن التأرجح بين التسهيل المطلق للمستثمر ثم صدامه مع القواعد المحلية يخلق حالة من عدم اليقين لدى المستثمرين الدوليين الآخرين الذين يبحثون عن بيئة قانونية واضحة ومستقرة.

ولقد أحدثت التطورات المتعلقة بمشروع مراسي وتأثيراته على الشواطئ المجاورة موجة واسعة من الغضب الشعبي، ولا سيما بين المواطنين والمصطافين والرواد التاريخيين لمنطقة الساحل الشمالي، وتلخص هذا الغضب في الشعور بالحرمان التدريجي من الوصول إلى الشواطئ العامة، وتحول أجمل الأجزاء الساحلية في مصر إلى مناطق حصرية للطبقات الأكثر ثراءً أو للمستثمرين الأجانب، ومما زداد الاحتقان الاجتماعي تسبب أعمال الإنشاءات البحرية والنحر في تغير معالم شواطئ شهيرة وارتباط ذلك بتدهور البيئة البحرية، مما يعتبر مساساً بذاكرة شعبية وحق أصيل للمواطنين في الاستمتاع بطبيعة بلادهم دون قيود أو تشويه.

الاعلام غير الرسمى بمواقع التواصل الاجتماعي وغيرها  لعب  دوراً مفصلياً في تسليط الضوء على تفاصيل الأزمة ، حيث انتشرت المقاطع والصور التي تظهر عمليات نحر الشواطئ وتغير لون المياه وجفاف بعض الشواطئ التاريخية، مما حول القضية من مجرد نزاع فني بيئي إلى موضوع صدارة في الرأي العام، فاضطرت وسائل الإعلام الرسمية والخاصة إلى مناقشة الملف، وظهرت المطالبات الشعبية المباشرة بضرورة تدخل الدولة لتطبيق القانون بحزم، ومحاسبة المسؤولين عن أي أضرار بيئية، وإلزام الشركة بتعديل المخططات الهندسية لمعالجة المشكلات الناجمة، لأن خطورة الغضب الشعبي في قضايا الأراضي والشواطئ تكمن في تحوله من مجرد اعتراض على مشروع محدد إلى تساؤلات أعمق حول العدالة الاجتماعية وتوزيع الموارد الوطنية والغيرة على السيادة الوطنية، وهو ما يجعل الاستجابة الحكومية الواضحة والشفافة ضرورة لبناء الثقة بين الشارع ومؤسسات الدولة.

والحال شبيهة بما حدث فى اليونان  حيث شهدت الجزر اليونانية مثل باروس ورودوس تمدداً غير مسبوق للمستثمرين وأصحاب المزارات السياحية والمطاعم البحرية، حيث قاموا بوضع المظلات والمقاعد وتأجير المساحات الشاطئية بأسعار مرتفعة جداً، وتجاوزوا المساحات المرخصة لهم ليحتلوا الشواطئ العامة بالكامل ويتعدوا على خط الساحل. أدى هذا التمدد إلى منع السكان المحليين والزوار غير القادرين على دفع المبالغ المرتفعة من وضع مناشفهم أو الجلوس على الشاطئ الحر. وتفاقمت الأزمة عندما شعر المواطنون بأن أجهزة الدولة والتنفيذيين المحليين يتغاضون عن هذه المخالفات لصالح عائدات السياحة الاستثمارية. ورداً على ذلك، انطلقت حركة شعبية عفوية عُرفت بحركة المناشف  (Towel Movement)، وهى مسيرات سلمية نزل فيها المواطنون حاملين مناشفهم لاستعادة الشواطئ العامة والمطالبة بتطبيق القانون واستعادة سيادة الدولة على الأملاك البحرية. فاضطرت الحكومة اليونانية أمام هذا الضغط الشعبي والقانوني إلى التدخل السريع للحفاظ على هيبة الدولة وسيادتها، ففرضت تشريعات جديدة صارمة تعتمد على تقنيات الطائرات المسيرة (الدرونز) وتطبيق رقمي يتيح للمواطنين الإبلاغ الفوري عن أي تعدٍ على الشواطئ العامة. وتم إلزام جميع الشركات والمستثمرين بترك مسافة لا تقل عن أربعة أمتار بين البحر وأول منشأة أو مقعد، مع فرض غرامات مالية ضخمة وإلغاء تراخيص الكيانات المخالفة ،  وتوضح هذه التجربة الدولية أن التساهل في خصخصة الشريط الساحلي أو الصمت عن التعديات البيئية المباشرة ينتهي عادة بأزمات اجتماعية وسياسية تشكك في قدرة الدولة على حماية أملاكها العامة، مما يتطلب دائماً إيجاد توازن صارم بين تشجيع الاستثمار والحفاظ الصارم على الحقوق الدستورية للمواطنين والانتفاع الحر بالموارد الطبيعية.

كما  واجهت إسبانيا أزمة التمدد العمراني السياحي في ثمانينيات القرن الماضي عندما أدى البناء العشوائي والمشروعات السياحية الضخمة على طول الساحل إلى تدمير البيئة البحرية وظهور مشكلات نحر واحتكار للشواطئ، فواجهت الحكومة ذلك بإصدار قانون الشواطئ الصارم الذي صنف جميع الشواطئ والمناطق المتاخمة لها بمسافة تصل إلى مائة متر كملك عام للدولة لا يجوز البناء عليه أو حظره عن الجمهور، وأجبرت الشركات الكبرى على تعديل مخططاتها، وقامت بإزالة المنشآت المخالفة حتى تلك التي بُنيت بعقود سابقة، مما أعاد التوازن للساحل الإسباني وأصبح نموذجاً يوفق بين السياحة والحفاظ على البيئة.

كذلك واجهت فرنسا أزمات مماثلة في منطقة الكوت دازور، حيث تسابق كبار المستثمرين للسيطرة على الواجهات البحرية، فأسست فرنسا هيئة خاصة تسمى مجلس الحفاظ على الساحل وتتمتع بصلاحيات شراء الأراضي الساحلية وتمليكها للدولة بشكل دائم لمنع التطوير العقاري المفرط عليها، مع فرض نسبة مئوية محددة من الشواطئ يُمنع منعاً باتاً تقييد الدخول إليها أو إقامة مشروعات خرسانية عليها، وإلزام أي مشروع سياحي بتقديم دراسات أثر بيئي وضمانات مالية ضخمة لإعادة الشيء إلى أصله في حال حدوث أي خلل جغرافي، وفي تجربة أخرى بالمكسيك ، أدى التدفق الهائل للاستثمارات الفندقية العقارية إلى صدامات حادة مع المجتمعات المحلية، فردت الحكومة المكسيكية بإنشاء أطر استثمارية جديدة تجبر المطورين على إعادة هيكلة المشروعات وشق طرق وممرات عامة للمواطنين للوصول إلى البحر، مع وضع آليات تحكيم وطنية ملزمة تتضمن تعويضات بيئية فورية تعود لمشاريع التنمية المستدامة المحلية.

تقتضي إدارة ملف أزمة مراسي صياغة حزمة من الحلول الشاملة التي توازن بين سيادة الدولة وحق المجتمع، وبين الحفاظ على مناخ الاستثمار وجذب رؤوس الأموال، بداية من الإجراءات القانونية والبيئية الفورية عبر إلزام المطور بالمعالجة البيئية وفرض حلول هندسية ملزمة وعلى نفقة الشركة الكاملة لمعالجة أسباب نحر الشواطئ وتدهور البيئة البحرية تحت إشراف لجنة بيئية وأكاديمية محايدة تضم خبراء دوليين ومحليين في علوم البحار والهندسة الساحلية، إلى جانب إعادة مراجعة عقود التخصيص والتحقق من مدى التزام الطرفين بالاشتراطات البيئية والتنموية، وتعديل أي بنود تمنح المستثمر حقوقاً تلغي الصفة العامة للشواطئ أو تتجاوز التشريعات الوطنية، وتفعيل الضمانات المالية عبر إنشاء صندوق تعويضات بيئية تلتزم الشركات الكبرى بالمساهمة فيه لإصلاح أي أضرار قد تمس الطبيعة الجغرافية للساحل.

كما يمتد الحل ليشمل الأبعاد السيادية والتنظيمية من خلال فرض تشريعات حازمة تضمن وجود حرم شاطئي مفتوح للجمهور بمسافات محددة قانوناً، وإلزام كافة المشروعات السياحية بشق ممرات ومحاور وصول عامة تسمح لجميع المواطنين بالوصول إلى البحر دون عوائق أو رسوم تعسفية، بالإضافة إلى إنهاء حالة التشتت المؤسسي عبر إنشاء جهاز موحد لإدارة وتطوير السواحل المصرية يتولى إصدار التراخيص ومتابعة الأثر البيئي وتحديد خطوط الحظر العمراني بوضوح تام، يرافق ذلك اعتماد سياسة الشفافية الصارمة عبر نشر التقديرات والتقارير البيئية الدورية للرأي العام لإغلاق الباب أمام الشائعات وبناء ثقة شعبية في قدرة الدولة على حماية أراضيها، وصياغة نموذج عقود استثمارية مستقبلي يتضمن شروطاً صارمة للمسؤولية المجتمعية والبيئية، بحيث يصبح الحفاظ على الأمن القومي والبيئي معياراً أساسياً لنجاح أي استثمار أجنبي داخل مصر، ليشكل التعامل الحاسم والموضوعي مع هذه الأزمة فرصة تاريخية لإعادة ترتيب بيت الاستثمار الساحلي والتأكيد على أن الانفتاح الاقتصادي يسير يداً بيد مع احترام السيادة الوطنية وصيانة الحقوق الشعبية والحفاظ على ثروات مصر الطبيعية للأجيال القادمة.