رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

هناك دول تصنع الأحداث، ودول تصنع الدروس. أما تونس، فقد أصبحت تصنع الاثنين معًا.

فعندما اندلعت ثورة الياسمين في يناير 2011، اعتقد كثيرون أن التاريخ قد فتح أبوابه لعصر عربي جديد، وأن تونس ستكون النموذج الذي ستحتذي به المنطقة بأسرها. تحولت إلى أيقونة للديمقراطية الوليدة، وإلى قصة نجاح تتغنى بها العواصم الغربية، وإلى الأمل الذي علق عليه الملايين أحلامهم في الحرية والعدالة والكرامة.

لكن بعد خمسة عشر عامًا، لم يعد السؤال: كيف نجحت الثورة؟ بل أصبح: كيف وصلت تونس إلى هذا المشهد المعقد؟

الإجابة ليست في شخص الرئيس قيس سعيد وحده، كما يحاول أنصاره أو خصومه أن يصوروا. فالأوطان لا تبنى أو تنهار بقرار فرد، وإنما بمسار طويل من التراكمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

لقد دفعت الثورة ثمنًا باهظًا لأنها أسقطت النظام، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في بناء دولة قادرة على الاستجابة لتطلعات المواطنين. تعاقبت الحكومات، وتعددت التحالفات، واشتعلت الصراعات الحزبية، بينما كان الاقتصاد يفقد قدرته على النمو، والاستثمارات تتراجع، والبطالة ترتفع، والأسعار تثقل كاهل المواطن.

في تلك اللحظة، بدأ التونسيون يبحثون عن الدولة أكثر مما يبحثون عن السياسة، وعن من يملك القدرة على الحسم أكثر ممن يجيد الخطابة. ومن هنا جاء صعود قيس سعيد، مستندًا إلى تفويض شعبي واسع، ومقدمًا نفسه باعتباره الرجل الذي سيعيد هيبة الدولة ويضع حدًا للفوضى السياسية.

اتخذ الرئيس قرارات استثنائية، جمّد البرلمان، وأعاد تشكيل النظام السياسي، وعزز صلاحيات الرئاسة. وبينما اعتبر مؤيدوه أن ما حدث كان ضرورة لإنقاذ الدولة من الانهيار، رأى معارضوه أن تونس فقدت جزءًا مهمًا من التجربة الديمقراطية التي تميزت بها بعد الثورة.

وربما يكون كلا الفريقين قد أمسك بجزء من الحقيقة، لكنه لم يمسك بالحقيقة كلها.

فالحرية بلا مؤسسات قوية قد تتحول إلى فوضى، والاستقرار بلا توازن في السلطات قد يثير مخاوف بشأن المستقبل. والسياسة التي لا تنعكس على حياة الناس في العمل والدخل والخدمات تتحول إلى عبء، مهما كانت شعاراتها براقة.

ولهذا فإن الأزمة التونسية ليست أزمة رئيس، ولا أزمة معارضة، ولا أزمة دستور، وإنما أزمة دولة تبحث عن معادلة مفقودة؛ معادلة تجمع بين الشرعية السياسية والكفاءة الاقتصادية، وبين الحقوق والحريات، وبين قوة الدولة وثقة المواطن.

ولهذا أيضًا، فإن تونس لم تعد شأنًا تونسيًا خالصًا. إنها مرآة ترى فيها دول عربية كثيرة أسئلتها الخاصة. كيف نحافظ على الاستقرار؟ كيف نحقق الإصلاح الاقتصادي دون أن ندفع المجتمع إلى مزيد من الضغوط؟ وكيف نبني مؤسسات قادرة على الاستمرار مهما تغيرت الحكومات أو الرؤساء؟

هذه هي الأسئلة الحقيقية التي تفرضها التجربة التونسية.

إن الشعوب قد تتحمل الفقر سنوات، لكنها لا تتحمل غياب الأمل. وقد تصبر على الإصلاحات الصعبة إذا شعرت بعدالتها، لكنها تفقد الثقة عندما ترى الصراعات السياسية تتقدم على مصالحها اليومية.

من هنا، فإن تونس لم تعد مجرد دولة في شمال أفريقيا، بل أصبحت رسالة سياسية مفتوحة لكل من يريد أن يقرأ المستقبل بعين العقل لا بعين الأيديولوجيا.

فإذا أردت أن تعرف ماذا يمكن أن يحدث عندما تتراجع السياسة عن خدمة المواطن، وعندما يعجز الاقتصاد عن تحقيق الحد الأدنى من الطموح، وعندما تصبح مؤسسات الدولة ساحة صراع بدلًا من أن تكون أدوات للبناء...

فالإجابة... تونس.

ولعل أعظم ما تقدمه التجربة التونسية اليوم ليس الانتصار لطرف على آخر، وإنما التذكير بأن الدول لا تُبنى بالشعارات، ولا تُدار بردود الأفعال، بل بالمؤسسات القوية، والاقتصاد المنتج، والعدالة، والحوار، والقدرة على مراجعة الأخطاء قبل أن تتحول إلى أزمات يصعب احتواؤها.

فالتاريخ لا يكرر نفسه بالحرف، لكنه كثيرًا ما يعيد طرح الأسئلة نفسها... وتونس، حتى الآن، ما زالت تحمل كثيرًا من الإجابات.