رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

لم أذهب إلى فرع التأمينات الاجتماعية بالمطبعة فيصل بصفتي صحفيا، بل ذهبت بصفتي ابنا فقد والدته، يحمل في يده شهادة وفاة، وفي قلبه حزنا لم يهدأ بعد، آملا في إنهاء إجراء قانوني بسيط لصرف مستحقات والدتي، المعروفة بـ”الخارجة”، وهي معاش ثلاثة أشهر يستحقه الورثة بعد الوفاة.

كنت أعتقد أن الأمر لن يستغرق سوى دقائق، لكنني اكتشفت أن ما ينتظر المواطنين داخل هذا المبنى ليس إجراء إداريا، وإنما رحلة طويلة من الروتين، وسوء التنظيم، والاستنزاف النفسي، والتعامل الذي يفتقد إلى أبسط معاني الإنسانية.

منذ اللحظة الأولى، فوجئت بزحام شديد، وعدد محدود من الموظفين لا يتناسب إطلاقا مع أعداد المترددين. لا يوجد نظام واضح لتنظيم الدور، ولا أماكن انتظار تليق بكبار السن، رغم أن أغلب المترددين من أصحاب المعاشات والمسنين. لا توجد تهوية كافية، ولا مكان يستطيع المواطن أن يجلس فيه حتى يحين دوره، ولا يوجد موظف مختص يشرح الإجراءات كاملة حتى لا يضطر المواطن إلى العودة أكثر من مرة.

في البداية، طلبت الحصول على الاستمارة الخاصة بإنهاء الإجراءات، فقيل لي إنه لا يمكن تسليمها إلا بعد إحضار شهادة الوفاة، رغم أن الاستمارة نفسها لا قيمة لها دون استكمال بقية الإجراءات. عدت إلى المنزل، ثم رجعت في اليوم التالي حاملا شهادة الوفاة، واستلمت الاستمارة.

ظننت أن الأمر اقترب من نهايته، لكنني فوجئت بشرط جديد، وهو ضرورة حضور والدي للتوقيع على الاستمارة، رغم أنه منفصل عن والدتي شرعا منذ أكثر من أربعين عاما، ولا تربطه بها أو بنا أي علاقة، وليس له أي حق في الميراث أو المستحقات.

وبعد الانتهاء من هذه العقبة، طلب مني الحصول على توقيع موظفين حكوميين، ثم اعتماد الاستمارة بخاتم شعار الجمهورية ضمانا لصحة البيانات.

نفذت المطلوب بالكامل، واستغرقت أياما أخرى لإنهاء هذه الخطوات، ثم عدت إلى الفرع، لأفاجأ برفض الاستمارة بحجة أن ختم شعار الجمهورية غير واضح بما يكفي أو أن به زيادة في الحبر.

هنا بدأت أشعر أن الهدف لم يعد مراجعة الأوراق، وإنما البحث عن أي سبب لإعادة المواطن إلى نقطة البداية.

تكاليف انتقال متكررة، وتعطيل عن عملي كصحفي، وإرهاق نفسي وبدني، وكل ذلك بسبب إجراءات كان يمكن إنهاؤها خلال عشر دقائق لو كانت هناك منظومة عمل واضحة.

لكن الأزمة لم تكن في الإجراءات وحدها، بل في أسلوب التعامل.

في كل زيارة، كان الصوت المرتفع هو اللغة السائدة. المواطنون يُعاملون وكأنهم ارتكبوا خطأ بمجرد دخولهم المبنى. موظفون يتحدثون بعصبية، وآخرون يوجهون التعليمات بطريقة لا تليق بمن يقدم خدمة عامة.

وفي إحدى المرات، وبعد رفض الاستمارة، صعدت إلى الدور العلوي للحصول على استمارة جديدة. دخلت المكتب، وألقيت السلام، فلم يرد أحد.

تقدمت بطلب استمارة جديدة، فإذا بالموظف ينظر إلي قائلا:
“إنت مين؟ ومين اللي باعتك؟”

أجبته بهدوء:
“محدش باعتني، أنا جاي آخد استمارة علشان أستكمل الإجراءات.”

فكان رده بصوت مرتفع:
“فين شهادة الوفاة؟”

أوضحت له أن هذه ليست المرة الأولى، وأنني سبق أن قدمت الشهادة، وأنني أحتاج فقط إلى استمارة جديدة بعد رفض القديمة.

لكنه قاطعني قائلا:
“أنا مش فاضيلك… لازم تجيب شهادة الوفاة.”

سألته:
“حضرتك بتزعق ليه؟”

لم يجب، وكأن رفع الصوت أصبح جزءا من إجراءات العمل.

حاولت أن أوضح له أن شهادة الوفاة وثيقة رسمية أخشى عليها من التلف بسبب كثرة التنقل، وأن الاستمارة نفسها لا تصبح معتمدة إلا بعد توقيع الموظفين وخاتم شعار الجمهورية، لكن لم يكن هناك من يريد الاستماع.

خرجت يومها دون أن أحصل حتى على استمارة جديدة.

ولم أكن وحدي.

داخل المبنى، شاهدت مواطنين يتعرضون للصوت المرتفع نفسه، والحيرة نفسها، والعودة المتكررة بالأوراق نفسها. شعرت أن الجميع يعيشون المعاناة ذاتها، وأن المشكلة ليست حالة فردية، وإنما أسلوب عمل يحتاج إلى مراجعة شاملة.

لا أحد يطلب استثناء أو تجاوزا للقانون.

كل ما يريده المواطن هو خدمة محترمة، وإجراءات واضحة، وموظف يتعامل معه باعتباره إنسانا، لا عبئا إضافيا على يومه.

إن تطوير الخدمات الحكومية لا يقاس فقط بالتحول الرقمي أو عدد الأجهزة الموجودة داخل المبنى، وإنما يقاس أيضا بطريقة استقبال المواطن، وسرعة إنجاز معاملته، واحترام كرامته.

ما حدث معي ليس مجرد قصة شخصية، بل نموذج لما يواجهه مئات المواطنين يوميا داخل بعض المصالح الحكومية.

ويبقى السؤال الذي أوجهه إلى الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي ووزارة التضامن الاجتماعي: إلى متى يظل المواطن يدفع ثمن الروتين، وسوء التنظيم، وغياب الرقابة على أسلوب التعامل مع الجمهور؟

المواطن لا يطلب امتيازا، بل يطلب حقه… والحق يجب أن يحصل عليه بكرامة.