الراوى
«ليست كل الحكايات للتسلية… بعضها مرآة، نرى فيها ما لا نحب أن نراه»
فى زمنٍ ازدحمت فيه الأصوات، حتى صار لكل إنسان منبر، ولكل رأى جمهور، ولكل ادعاء من يصفق له، أصبح الحقُّ غريبًا بين ضجيجٍ لا يهدأ. لم يعد السؤال عند كثيرين: ماذا قيل؟ بل: من الذى قال؟ فإن كان القائل صاحب مكانة، صُدِّق قبل أن يُسمَع، وإن كان مجهولًا، رُفض قوله قبل أن يُفهم. وهنا تبدأ واحدة من أخطر أزمات الوعي: أن يتحول الحق من حقيقةٍ تُثبت، إلى شهرةٍ تُقدَّس.
غير أن الحق لا يستمد قوته من اسم قائله، ولا يحتاج إلى هالةٍ تحيط به، ولا إلى جمهورٍ يرفع صوته دفاعًا عنه. الحقُّ يُعرَفُ بدليلِه، لا بقائله؛ فالحقيقة لا تصبح حقيقة لأن مشهورًا نطق بها، ولا تفقد حقيقتها لأن مغمورًا اكتشفها. والعلم لا يزن الأفكار بوزن أصحابها، وإنما يزنها بميزان البرهان، والتجربة، والمنطق، والقدرة على الصمود أمام السؤال.
كم من فكرةٍ عظيمةٍ وُلدت فى عقلٍ لم يعرفه الناس، ثم انتظرت طويلًا حتى يأتى من يمنحها اسمه، فيلتفت إليها الجميع! وكم من قولٍ ذائعٍ تردده الألسنة، ليس لأنه صحيح، بل لأن قائله مشهور أو صاحب نفوذ أو كثير الأتباع! إن أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمعات أن تتحول الأسماء إلى أدلة، وأن يصبح المنصب شهادة صحة، وأن تُمنح الحقيقة لمن يملك سلطة الكلام لا لمن يملك قوة البرهان.
وفى العلم، تكون هذه المسألة أكثر خطورة؛ لأن المجاملة لا تفسد موقفًا عابرًا فحسب؛ بل قد تفسد معرفةً كاملة. لا ينبغى للباحث أن يسأل: من قال؟ قبل أن يسأل: ماذا قال؟ ولا ينبغى للناقد أن يرفض فكرةً لأن صاحبها يختلف معه، كما لا ينبغى له أن يقبلها لأن صاحبها يوافقه. فالعقل الذى يربط صحة الفكرة بمكانة صاحبها، عقلٌ لم يتحرر بعد من عبودية الأشخاص.
إن احترام العلماء لا يعنى تقديس آرائهم، وتقدير أصحاب الخبرة لا يعنى تعطيل النقد، والاعتراف بالمكانة لا يبرر إلغاء السؤال؛ فكل فكرةٍ عظيمةٍ يجب أن تظل قادرةً على الدفاع عن نفسها، وكل رأيٍ مهما ارتقى صاحبه، يظل فى حاجة إلى دليل.
ولعل أرقى درجات النضج أن نتعلم الإنصاف؛ فنقبل الحق ممن جاء به، ونرفض الخطأ ولو صدر ممن نحب. فالحقيقة لا تتغير بتغير الوجوه، ولا تنحنى أمام الألقاب، ولا تستمد شرعيتها من التصفيق.
وهكذا، يظل الحقُّ عزيزًا؛ لا لأنه يعلو صوته، بل لأنه يقف على أرضٍ ثابتة. أما الباطل، فقد يملك المنابر، ويجمع الأتباع، ويصنع الضجيج، لكنه يظل عاجزًا عن تقديم الدليل.
فالحقُّ لا يحتاج إلى قائلٍ عظيم كى يكون عظيمًا… يكفيه أن يكون حقًّا.
أستاذ الإعلام بكلية الآداب - جامعة المنصورة
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض