رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

في كل مرة يتخذ فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قرارًا مثيرًا للجدل، تتكرر الأسئلة نفسها: هل يتصرف بعشوائية؟ أم أن هناك رؤية استراتيجية لا تبدو واضحة للعيان؟

من الرسوم الجمركية التي طالت أقرب الحلفاء، إلى الحديث عن غرينلاند وقناة بنما، مرورًا بالتصعيد مع إيران، تبدو الصورة للوهلة الأولى وكأنها سلسلة من القرارات المتناقضة. لكن بعض المحللين يرون أن هذه التحركات ليست منفصلة، بل حلقات في مشروع أكبر لإعادة تشكيل النظام الدولي.

ومن بين أكثر القراءات إثارة للاهتمام، ما طرحه البروفيسور الصيني جيانغ شيويه تشين، الذي ينظر إلى المشهد من زاوية الجغرافيا السياسية والاقتصاد الاستراتيجي، لا من زاوية السياسة اليومية.

أولًا… مضيق هرمز مفتاح الاقتصاد العالمي

تشير بيانات أسواق الطاقة إلى أن مضيق هرمز يمثل أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم، حيث يعبر من خلاله نحو 20% من تجارة النفط العالمية، إضافة إلى كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال.

كما تعتمد اقتصادات آسيوية وأوروبية بدرجات متفاوتة على نفط الخليج، وفي مقدمتها الصين والهند واليابان، بينما يظل الاتحاد الأوروبي مرتبطًا باستقرار تدفقات الطاقة العالمية رغم جهوده لتنويع مصادر الإمداد.

ومن هنا تنطلق فرضية البروفيسور الصيني: إذا تعطلت حركة الملاحة في مضيق هرمز نتيجة مواجهة عسكرية واسعة، فإن أول من سيدفع الثمن سيكون الاقتصاد العالمي، وليس الولايات المتحدة وحدها.

ثانيًا… لماذا قد تكون أمريكا أقل المتضررين؟

خلال السنوات الأخيرة تحولت الولايات المتحدة إلى واحدة من أكبر منتجي النفط والغاز في العالم، كما تمتلك أمريكا الشمالية مزايا استراتيجية يصعب تجاهلها:

* احتياطيات ضخمة من النفط والغاز.
* إنتاج زراعي يعد الأكبر عالميًا.
* قاعدة صناعية متقدمة.
* قدرة عالية على تحقيق الاكتفاء الذاتي مقارنة بمعظم الاقتصادات الكبرى.

ويرى التحليل أن هذه المعطيات تمنح واشنطن هامشًا أوسع لمواجهة أي اضطراب عالمي مقارنة بأوروبا أو شرق آسيا.

ثالثًا… الاقتصاد بدلًا من الحروب التقليدية

يرى البروفيسور أن الصراعات الحديثة لم تعد تعتمد فقط على الجيوش والأسلحة، بل أصبحت تقوم على السيطرة على:

* الطاقة.
* الغذاء.
* المعادن النادرة.
* التكنولوجيا.
* سلاسل الإمداد العالمية.

فالدولة التي تتحكم بهذه العناصر تستطيع فرض نفوذها حتى دون إطلاق رصاصة واحدة.

رابعًا… ماذا عن الدين الأمريكي؟

تجاوز الدين الفيدرالي الأمريكي مستويات تاريخية، وهو ما يدفع كثيرين للتساؤل حول مستقبل الدولار.

لكن التحليل يطرح رؤية مختلفة؛ إذ يفترض أن استمرار حاجة العالم إلى الأسواق الأمريكية والطاقة والمنتجات الاستراتيجية قد يحافظ على مكانة الدولار، ويجعل الدول الدائنة مضطرة إلى الاستمرار في التعامل معه.

إلا أن هذا الطرح يبقى محل نقاش واسع بين الاقتصاديين، الذين يؤكدون أن قوة الدولار تعتمد أيضًا على استقرار الاقتصاد الأمريكي وثقة المستثمرين، وليس فقط على الموارد.

كيف تنظر الصحافة العالمية؟

عدد من كبريات الصحف العالمية تناولت التحولات في السياسة الأمريكية من زوايا مختلفة:

فايننشال تايمز رأت أن الولايات المتحدة تنتقل تدريجيًا من نموذج العولمة إلى نموذج “الأمن الاقتصادي”، حيث أصبحت الأولوية لحماية الصناعة الوطنية وسلاسل الإمداد.

الإيكونوميست حذرت من أن هذا التحول قد يؤدي إلى إضعاف النظام الاقتصادي العالمي الذي قادته واشنطن منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، مع ما يحمله ذلك من مخاطر على الاقتصاد الأمريكي نفسه.

أما بلومبرغ فأكدت أن أمن الطاقة أصبح محورًا رئيسيًا في الاستراتيجية الأمريكية، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن أي صدام واسع في الخليج ستكون له تداعيات عالمية، ولن تكون الولايات المتحدة بمنأى عنها.

في حين ركزت وول ستريت جورنال على أن الرسوم الجمركية والضغوط الاقتصادية تُستخدم كأدوات تفاوض لإعادة صياغة العلاقات التجارية بما يخدم المصالح الأمريكية.

وتذهب تحليلات فورين أفيرز إلى أن واشنطن تعمل بالفعل على إعادة بناء سلاسل الإمداد وتقليل الاعتماد على الخصوم، خصوصًا الصين، لكنها لا ترى دليلًا على وجود استراتيجية تستهدف إشعال فوضى عالمية متعمدة.

بين الفرضية والواقع

لا توجد وثائق رسمية أو أدلة قاطعة تثبت أن الإدارة الأمريكية تتبنى خطة لإحداث انهيار عالمي من أجل إعادة بناء النظام الدولي.

لكن في المقابل، يصعب تجاهل أن العالم يشهد بالفعل تحولات عميقة، أبرزها:

* تراجع العولمة التقليدية.
* صعود مفهوم الأمن الاقتصادي.
* سباق السيطرة على الطاقة والمعادن النادرة.
* إعادة توطين الصناعات الاستراتيجية.
* تصاعد المنافسة الأمريكية الصينية.

وهذه التحولات أصبحت حقيقة يقر بها معظم مراكز الدراسات الدولية.

الخلاصة

قد نختلف أو نتفق مع فرضية البروفيسور الصيني، لكن المؤكد أن العالم يدخل مرحلة جديدة تختلف جذريًا عما عرفناه خلال العقود الثلاثة الماضية.

فالمنافسة لم تعد على الحدود فقط، بل أصبحت على الطاقة، والغذاء، والتكنولوجيا، والمعادن، وسلاسل الإمداد.

ويبقى السؤال مفتوحًا:

هل نشهد مجرد تغير في السياسات الأمريكية؟ أم أننا أمام ولادة نظام عالمي جديد تُعاد فيه كتابة قواعد القوة والنفوذ من جديد؟