لم تكن جريمة الإسكندرية مجرد واقعة قتل عادية ، بل كانت صدمة أخلاقية وإنسانية هزت الضمير قبل أن تهز الرأي العام.. أن تقدم ابنة تعمل محامية ودارسة للقانون وتمارسه ، على قتل أمها السبعينية المريضة ، وهى الأدرى بعقوبة القتل العمد وبشاعة هذه الجريمة ، يثير أسئلة مؤلمة تتجاوز حدود الواقعة نفسها إلى ما آلت إليه منظومة القيم داخل بعض البيوت...مهما كانت الخلافات الأسرية ، ومهما كانت المبررات التي قد تُطرح ، فلا يمكن أن يكون قتل الأم وسيلة لحل نزاع أو إنهاء معاناة مزعومة.. الأم التي حملت وربت وسهرت وتعبت حتى شاب رأسها ، تنتظر في خريف العمر كلمة طيبة ويدا حانية ، لا أن تتحول إلى ضحية لابنتها .
إذا كانت الابنة ذكرت أن والدتها كانت تسىء معاملتها ، فإن ثبت هذا لا يبرر بأى حال ارتكابها لجريمة قتل امها . فالقانون وضع وسائل لحماية الحقوق ، والمجتمع يتيح أبوابا عديدة لفض النزاعات ، لكن لا يوجد قانون أو دين أو عرف يمنح الإنسان حق إنهاء حياة أى شخص وبالأخص والدته..هذه الجريمة تفرض علينا أن نتوقف أمام سؤال أكبر وهو : ماذا حدث لبعض النفوس حتى جفت فيها ينابيع الرحمة ؟ ولماذا أصبحت بعض الروابط الأسرية هشة ، حتى وصل الأمر في بعض للحالات إلى هذا المستوى من العنف ؟ هل نحن أمام أزمة تربية ؟ أم ضعف فى الوازع الديني والأخلاقى ؟ أم ضغوط نفسية واجتماعية لم تعد تجد من يحتويها ؟
إن احترام الوالدين ليس مجرد قيمة اجتماعية ، بل مبدأ دينى وإنسانى وأخلاقى وحضارى . وقد أوصت جميع الشرائع والأديان ببرهما والإحسان إليهما ، خاصة عند الكبر والمرض ، حين يصبحان في أمس الحاجة إلى العطف والرحمة.
جريمة الإسكندرية يجب ألا تُقرأ باعتبارها خبرا عابرا نشر فى صحيفة ، بل ناقوس خطر يدعونا إلى إعادة الاعتبار لقيم الأسرة ، وتعزيز التربية على الرحمة ، وتوفير الدعم النفسى والاجتماعى للأسر التي تعانى من صراعات حادة ، حتى لا تتحول الخلافات إلى مآس لا علاج لها...ويبقى القضاء وحده صاحب الكلمة الأخيرة فى تحديد المسؤليات والعقوبات ، لكن المؤكد أن هذه الجريمة ستظل جرحا في ضمير المجتمع ، ورسالة مؤلمة بأن الأمم لا تُقاس فقط بتقدمها المادى والحضارى ، وإنما أيضا بقدرتها على الحفاظ على الرحمة داخل بيوتها ، لأن المجتمع الذى تضيع فيه الرحمة بين الأبناء والآباء ، يفقد أحد أهم أسباب بقائه وتماسكه...انها الرحمة ..كلمة جامعة ..مانعة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض