رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى


المال العام هو مال مخصص لخدمة الناس وتحقيق منفعة عامة، ولذلك لا ينبغي النظر إليه كرقم في الموازنة أو أصل محفوظ في دفاتر الإدارة، وإنما كجزء من حق المجتمع في مدرسة أفضل، ومستشفى أكثر كفاءة، وطريق آمن، ومرفق منتظم، وخدمة عامة تحفظ وقت الإنسان وكرامته، وكلما حَسُن استعمال المال العام، زادت قدرة الموارد المتاحة على إنتاج أثر ملموس في حياة المواطنين.

والحفاظ على المال العام ثقافة قانونية وعملية في وقت واحد، فالنصوص تضع القواعد، والرقابة تتابع، والإدارة تنظم، والمواطن يشارك بسلوك يومي واعٍ

وإتلاف مقعد في مدرسة، أو العبث بمرفق، أو إهدار وقت العمل، أو ترك أصل عام بغير صيانة، تصرفات تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها تستهلك موارد كان يمكن أن تتجه إلى خدمة جديدة أو تطوير قائم. صون المال العام يبدأ من التفاصيل، ثم يتحول إلى عادة حضارية تحمي التنمية.

المفاهيم الأساسية للمال العام والمرفق والموظف العام
يقصد بالمال العام كل مال مملوك للدولة أو لأحد الأشخاص الاعتبارية العامة، ومخصص لمنفعة عامة، سواء كان عقارًا أو منقولًا. وقد قررت المادة (٨٧) من القانون المدني أن تعتبر أموالاً عامة، العقارات والمنقولات التي للدولة أو للأشخاص الاعتبارية العامة، والتي تكون مخصصة لمنفعة عامة بالفعل أو بمقتضى قانون أو مرسوم أو قرار من الوزير المختص، ويكشف هذا التعريف أن جوهر المال العام ليس في شكله أو قيمته فقط، بل في وظيفته العامة وخدمته للمجتمع.

أما المرفق العام فهو نشاط منظم يستهدف إشباع حاجة عامة بانتظام واستمرارية، مثل التعليم، والصحة، ومياه الشرب، والكهرباء، والنقل، والطرق، والخدمات الإدارية. وقد يدار المرفق مباشرة بواسطة جهة عامة، أو وفق أساليب قانونية أخرى، وتبقى غايته الأساسية هي تقديم خدمة نافعة للجمهور بطريقة منتظمة ومنصفة.

أما الموظف العام، فيقصد به بوجه عام من يعهد إليه القانون أو الجهة المختصة بأداء عمل لخدمة جهة عامة أو مرفق عام.

ويكتسب هذا المفهوم أهمية خاصة في حماية المال العام، لأن الموظف يتعامل مع وقت عام، ومستند عام، وأداة عامة، وخدمة موجهة للناس، لذلك تقوم الوظيفة العامة على الأمانة، والدقة، واحترام الإجراءات، وحسن استعمال الموارد، والوعي بأن كل إجراء داخل المرفق ينعكس على جودة الخدمة وثقة الجمهور.

وضع الدستور المصري حماية المال العام في موقع واضح داخل بنائه القانوني. فقد نصت المادة (٣٣) على أن تحمي الدولة الملكية بأنواعها الثلاثة، الملكية العامة، والملكية الخاصة، والملكية التعاونية، ثم نصت المادة (٣٤) على أن للملكية العامة حرمة، لا يجوز المساس بها، وحمايتها واجب وفقاً للقانون، و وهذا النص الأخير شديد الدلالة؛ لأنه يجعل حماية الملكية العامة واجبًا قانونيًا لا مجرد توجيه أخلاقي.
وتنص المادة (٣٨) على أن يهدف النظام الضريبي وغيره من التكاليف العامة إلى تنمية موارد الدولة، وتحقيق العدالة الاجتماعية، والتنمية الاقتصادية.

كما تقرر المادة ذاتها أن أداء الضرائب واجب، وأن التهرب الضريبي جريمة، ويعني ذلك أن الموارد العامة تتكون وفق نظام قانوني، ثم تعود إلى المجتمع في صورة خدمات ومرافق ومشروعات وبرامج تنموية.

وتنظم المادة (١٢٤) الإطار العام للموازنة العامة، وتقرر أن الموازنة تشمل إيرادات الدولة ومصروفاتها دون استثناء، وأنها لا تكون نافذة إلا بموافقة مجلس النواب عليها. وتنص المادة (١٢٦) على أن ينظم القانون القواعد الأساسية لتحصيل الأموال العامة وإجراءات صرفها.

وتأتي المادة (٢١٨) لتقرر التزام الدولة بمكافحة الفساد، وتعزيز قيم النزاهة والشفافية، وحسن أداء الوظيفة العامة، والحفاظ على المال العام، وهكذا يقدم الدستور منظومة متكاملة: حماية للملكية العامة، وتنمية للموارد، وتنظيم للموازنة، وضبط للتحصيل والصرف، وتعزيز للنزاهة والرقابة.

ويحمي القانون المال العام بعدة طبقات متكاملة، فالقاعدة المدنية تقرر أن الأموال العامة لا يجوز التصرف فيها أو الحجز عليها أو تملكها بالتقادم ما دامت مخصصة للمنفعة العامة.

وهذه الحماية تحفظ المال العام من التحول إلى مصلحة خاصة، وتضمن بقاءه في خدمة الغرض الذي خُصص له، ويعالج قانون العقوبات الاعتداء على المال العام في باب خاص بعنوان اختلاس المال العام والعدوان عليه والغدر.
وتدخل في هذا الإطار جرائم مثل اختلاس المال العام، والاستيلاء عليه، وتسهيل الاستيلاء عليه، والتربح، والإضرار بالأموال أو المصالح العامة في الحدود التي يقررها القانون، وتدل هذه الحماية الجنائية على أن المال العام أمانة قانونية، وأن المساس به يضر بالخدمة العامة قبل أن يضر بالدفاتر والحسابات.

كما يمثل قانون المالية العامة الموحد رقم (٦) لسنة (٢٠٢٢) إطارًا مهمًا لضبط دورة المال العام، من التخطيط المالي وإعداد الموازنة إلى التنفيذ والرقابة والمتابعة. وتدعم الأجهزة الرقابية هذه المنظومة من خلال المراجعة وكشف أوجه الخلل وتعزيز الشفافية.

ويأتي الجهاز المركزي للمحاسبات في مقدمة مؤسسات الرقابة المالية، كما تؤدي هيئة الرقابة الإدارية دورًا مهمًا في الوقاية من الفساد ومكافحته، ضمن مسار يتسق مع الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد ٢٠٢٣-٢٠٣٠، التي تركز على النزاهة، والشفافية، وكفاءة الجهاز الإداري، ورفع الوعي المجتمعي بمخاطر الفساد.
القيمة العقلية والعملية لصون المال العام من منظور عقلي وعملي، الحفاظ على المال العام يعني تحقيق أفضل منفعة ممكنة من الموارد المتاحة، فالمجتمع الذي يصون أصوله ومرافقه يحتاج إلى إنفاق أقل على الإصلاح والتعويض، ويستطيع توجيه جزء أكبر من موارده إلى التطوير والخدمات الجديدة، و الصيانة المنتظمة أوفر من إعادة البناء، والوقاية أقل تكلفة من علاج الخلل، والإدارة المنضبطة تحقق أثرًا أكبر من الإنفاق غير المحكم.

وتظهر هذه القيمة في حياة الناس مباشرة، وجهاز طبي يعمل بكفاءة يعني خدمة صحية أسرع. طريق جيد الصيانة يعني وقتًا أقل وسلامة أكبر. مدرسة محفوظة الأدوات تعني بيئة تعليمية أفضل ومرفق نظيف ومنظم يعني احترامًا لوقت المواطن وراحته، لذلك فحماية المال العام ليست فكرة مجردة، بل منفعة عملية يشعر بها الإنسان في الخدمة اليومية.
وعلى مستوى التنمية، يرتبط صون المال العام بمبادئ الكفاءة والاستدامة والحوكمة الرشيدة، وهي مبادئ حاضرة في رؤية مصر ٢٠٣٠ وفي الهدف السادس عشر من أهداف التنمية المستدامة، الذي يؤكد بناء مؤسسات فعالة وشفافة وخاضعة للمساءلة، والحد من الفساد والرشوة. فالتنمية تحتاج إلى موارد، والموارد تحتاج إلى إدارة، والإدارة تحتاج إلى قانون ووعي ومتابعة.
يستطيع المواطن أن يحمي المال العام عبر ممارسات واضحة وبسيطة.

أولها احترام المرافق العامة من خلال عدم إتلاف المقاعد، أو الكتابة على الجدران، أو العبث بالإنارة، أو إساءة استخدام وسائل النقل، أو ترك الحدائق والشواطئ والطرق في حالة تضر بغيره، وهذه السلوكيات اليومية تطيل عمر المرفق وتقلل تكلفة إصلاحه.

وثانيها ترشيد استخدام المياه والكهرباء في الأماكن العامة، والمحافظة على النظافة، واحترام الدور، واستخدام الخدمة في حدود الغرض المخصص لها، وتجنب أي مجاملة أو منفعة غير مستحقة تخل بالمساواة بين المنتفعين، وثالثها الإبلاغ المسؤول عن التلف أو الإهدار أو الاعتداء على المال العام من خلال القنوات الرسمية المتاحة، مع تقديم معلومات دقيقة والابتعاد عن التشهير والشائعات.

وتبدأ التربية على صون المال العام من الأسرة والمدرسة. فالطفل الذي يتعلم أن مقعد المدرسة وكتاب المكتبة وجهاز المعمل أمانة عامة، يكبر وهو أكثر احترامًا للمرفق العام، والجامعة ووسائل الإعلام ومراكز الشباب تستطيع أن تقدم رسائل قانونية سهلة عن معنى الملكية العامة وواجب الحفاظ عليها وأثر الإهدار على جودة الخدمة.

وتقع على بيئة العمل مسؤولية خاصة: حفظ المستندات، دقة الجرد، صيانة الأصول، احترام وقت العمل، ترشيد الإنفاق، وضبط إجراءات الشراء والتعاقد، فالموظف الذي يحافظ على أداة العمل، ويستخدم الوقت بكفاءة، ويتعامل مع الجمهور بجدية، يسهم في حماية مورد لا يقل أهمية عن المال، وهو ثقة الناس في الخدمة العامة.

وفي الختام، فإن القانون والحفاظ على المال العام يلتقيان عند معنى واضح وهو المال العام حق مشترك ومسؤولية مشتركة. يحميه الدستور بالنص، وتحميه القوانين بالإجراءات والعقوبات، وتحميه الأجهزة الرقابية بالمراجعة، ويحميه المواطن بالوعي والسلوك اليومي.
وكلما اتسع هذا الوعي، أصبح صون المال العام عادة راسخة: يد لا تُتلف، وضمير لا يقبل الهدر، وإدارة تحسن التصرف، ومجتمع يعرف أن الحفاظ على المال العام هو حفاظ على حقه في الخدمة والتنمية والكرامة.