رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

كبسولة فلسفية

هناك لحظات، يا عزيزي، لا يرتبط فيها الشعور بالشيخوخة بالسنّ، بل بثقل خفي يهبط على الروح. فجأة تشعر أن الزمن لم يمر عليك فقط... بل مرّ فيك. كأن داخلك مساحة تهرم قبل أن يعترف وجهك، وقلبك يتعب قبل أن ينحني ظهرك. هذا الهرم الداخلي لا علاقة له بالأرقام، بقدر ما يرتبط بالخيبات المتراكمة، والأحلام المؤجلة، والطرق التي سرنا فيها مرغمين.

أحيانًا نشيخ لأننا صمتنا طويلًا، ولأننا حملنا ما لا يُحتمل، وابتلعنا الأسئلة التي كان يجب أن تُقال. يا صديقي القارئ، العمر لا يشيخنا وحده، ما يشيخنا فعلًا هو الأيام التي عشناها بلا معنى، واللحظات التي جاملنا فيها الحياة رغم أننا كنا نستحق حياة أخرى. كل تنازل صغير يترك تجعيدة خفية في القلب.

ونشيخ أيضًا حين نتظاهر بالقوة أكثر مما ينبغي. حين نطمئن الجميع أننا بخير، بينما نحن بالكاد نقف. حين نخاف من الاعتراف بالتعب، ونؤجل الانهيار حتى إشعار آخر. هذا الإنكار المستمر يلتهم أعمارًا كاملة، لأن أقسى ما يفعله الإنسان بنفسه أن يعامل روحه كأنها آلة لا تحتاج إلى راحة، ولا حضن، ولا كلمة صادقة.

لكن المدهش، يا صديقي، أن الزمن قد يشيخ داخلنا... دون أن يفقدنا القدرة على البدء من جديد. هناك لحظة صغيرة، أبسط مما نظن، نستعيد فيها شيئًا كدنا نفقده: ضحكة نقية، فكرة جديدة، ضعف نعترف به، وجع نشرحه بدل أن نخفيه. هذه التفاصيل البسيطة تعمل كنبض جديد يشق طريقه وسط تعب السنوات.

والمفارقة أن من يشعر بالشيخوخة الداخلية ليس شخصًا ضعيفًا، بل شخص رأى كثيرًا، أحب كثيرًا، خسر كثيرًا، وحاول كثيرًا حتى أتعبته المحاولة. هؤلاء تهرم أرواحهم لأن قلوبهم كانت حيّة أكثر مما ينبغي. والروح التي تعبت... قادرة أيضًا أن تتجدد.

قد تمر سنوات طويلة بلا حياة، ثم تأتي لحظة واحدة صادقة فترد إليك ما سرقته الأيام. لكن ماذا لو كانت الأيام لا تسرق الوقت فقط... بل تسرقك أنت قطعةً قطعة؟ هذا ما سنواجهه معًا في الكبسولة الفلسفية القادمة.

 

بقلم/ محمد جاد الله

كاتب في السرديات الثقافية وقضايا الشرق الأوسط

[email protected]