رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

فى خضم المتغيرات المتسارعة التى يشهدها العالم لم يعد بناء الدولة يقاس فقط بحجم المشروعات العملاقة أو معدلات النمو الاقتصادى بل أصبح يقاس قبل كل شىء بمدى قدرة المجتمع على تحقيق التوازن بين الحقوق التى ينشدها المواطن والواجبات التى يلتزم بها تجاه وطنه فالأمم القوية لا تُبنى بالمطالب وحدها ولا تستقر بالسلطة وحدها وإنما تقوم على عقد اجتماعى غير مكتوب قوامه أن لكل حق واجباً يقابله ولكل واجب حقاً يحميه لقد اعتادت المجتمعات فى أوقات الأزمات أن ترفع سقف مطالبها وهو أمر مشروع فى إطار الدستور والقانون إلا أن التجارب الدولية أثبتت أن الشعوب التى نجحت فى تجاوز التحديات كانت الأكثر وعياً بأن المشاركة فى تحمل المسئولية لا تقل أهمية عن المطالبة بالحقوق فالوطن ليس جهة تقدم الخدمات فقط بل هو كيان يشارك الجميع فى بنائه وصيانته.

إن الحفاظ على الممتلكات العامة واحترام القانون والإخلاص فى العمل وترشيد استهلاك الموارد والالتزام بقيم النزاهة ليست مجرد سلوكيات فردية بل هى عناصر أساسية فى منظومة الأمن القومى الشامل فالدول الحديثة أصبحت تنظر إلى وعى المواطن باعتباره أحد أهم مكونات قوتها الوطنية لأن خسارة الوعى قد تكون أخطر من خسارة الموارد.

ومن المؤسف أن وسائل التواصل الاجتماعى رغم ما وفرته من مساحة للتعبير وتبادل المعرفة أصبحت فى كثير من الأحيان ساحة لنشر الشائعات وإثارة الانقسام والتشكيك فى كل إنجاز دون تحقق أو مسئولية وهنا تبرز أهمية الإعلام الوطنى الواعى والمؤسسات التعليمية والثقافية والدينية فى ترسيخ ثقافة التفكير النقدى والتمييز بين الرأى والمعلومة وبين النقد البنّاء ومحاولات الهدم.

ولا يعنى الحديث عن الواجبات التقليل من أهمية الحقوق بل على العكس فالحقوق هى أساس الاستقرار والعدالة وهى التى تمنح المواطن شعوره بالانتماء والثقة فى مؤسسات دولته لكن الحقوق والواجبات يظلان وجهين لعملة واحدة فلا يمكن أن يطالب مجتمع بدولة قوية بينما يتهاون فى احترام القانون أو يطالب بتنمية مستدامة وهو يهدر الموارد أو يتغاضى عن الفساد.

لقد أثبتت تجارب دول عديدة أن الاستثمار الحقيقى يبدأ من الإنسان وأن بناء الشخصية الواعية يسبق بناء الطرق والمصانع فالمواطن الذى يدرك قيمة العمل ويحترم الوقت ويحافظ على المال العام ويمارس حقه فى المشاركة بإيجابية هو الثروة التى لا تنضب وهو الضمانة الحقيقية لاستمرار التنمية مهما تغيرت الظروف.

واليوم ونحن نعيش مرحلة تتطلب تماسكاً ووعياً أكبر يصبح من الضرورى أن تتحول ثقافة المسئولية إلى ممارسة يومية تبدأ من الأسرة مروراً بالمدرسة والجامعة وصولاً إلى مؤسسات الدولة والإعلام فبناء الإنسان ليس مشروعاً حكومياً فحسب بل مسئولية وطنية مشتركة يشارك فيها الجميع دون استثناء.

إن قوة الدول لا تُقاس فقط بما تمتلكه من سلاح أو اقتصاد وإنما ايضاً بما تمتلكه من مواطن يدرك أن حريته تقترن بالمسئولية وأن انتماءه يظهر فى سلوكه قبل شعاراته وأن مستقبل الأجيال القادمة يتوقف على ما يقدمه كل فرد لوطنه اليوم.

وفى النهاية.. يبقى الوطن أكبر من خلافاتنا وأوسع من مصالحنا الشخصية وأغلى من أى مكسب عابر وعندما يدرك كل منا أن أداء واجبه هو الطريق الأقصر لحماية حقه تتحول الوطنية من كلمات تُقال إلى سلوك يُمارس ومن شعارات تُرفع إلى واقع يصنع مستقبلًا أكثر استقرارًا وعدالة وازدهارًا.

المشرف على مركز رع للدراسات الاستراتيجية