كيف تدار الزراعة المصرية برؤية اقتصادية؟، لم يكن تعيين المحاسب والمصرفى البارز علاء فاروق وزيراً للزراعة واستصلاح الأراضى خلفاً للمصرفى القدير السيد القصير مجرد تغيير تقليدى فى الأسماء ضمن الحقائب الوزارية. إن تكرار الاعتماد على المدرسة المصرفية والمالية لإدارة واحدة من أعرق الوزارات الفنية فى مصر يحمل فى طياته دلالات استراتيجية عميقة ويكشف عن فلسفة إدارية جديدة تتبناها الدولة تدرك أن الأمن الغذائى هو الوجه الآخر للأمن القومى، وأن الأرض الطيبة تحتاج اليوم إلى أدوات اقتصادية مرنة تحسن استغلال مواردها وتعظم عوائدها.
الحكمة وراء هذا التحول فى إسناد ملف الزراعة لرجال المال والاقتصاد بدلاً من التخصصات الفنية التقليدية، لأن عقودًا طويلة مضت والوزارات الإنتاجية فى مصر تُدار بعقلية التكنوقراط الفنى البحت، فكان التركيز ينصب على العمليات الزراعية من رى وحصاد كإجراءات فنية مجردة. لكن الاستراتيجية التنموية الحديثة أحدثت ثورة فى هذه المفاهيم لتنظر إلى وزارة الزراعة باعتبارها مؤسسة اقتصادية عملاقة تمتلك أصولاً ضخمة غير مستغلة وتدير ملفات استصلاح بمئات المليارات فى الدلتا الجديدة وتوشكى، ومستقبل مصر الأخضر.
هذه المشروعات القومية الكبرى لا تحتاج فقط إلى مهندس يعرف كيف يزرع، بل تتطلب بالأساس عقليّة تخطيط مالى تجيد تدبير التمويل، وحساب تكلفة الفرصة البديلة وإدارة المخاطر الائتمانية وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية.
حينما تولى السيد القصير حقبة الوزارة سابقاً قادها بخلفية رئيس بنك عريق، البنك الزراعى المصرى، فبدأ ثورة فى هيكلة القروض ورقمنة الحيازة الزراعية، الكارت الذكى وحصر أصول الوزارة المهملة لتسييلها وإعادة استغلالها لصالح مشروعات الإنتاج.
وجاء المحاسب علاء فاروق ليُكمل هذه السلسلة الاقتصادية المتكاملة من ذات المدرسة المصرفية، فالرجل الذى تدرج فى العمل المصرفى ورأس البنك الزراعى يدرك تماماً طبيعة المشكلات المالية التى تواجه صغار المزارعين والمربين، ويعلم كيف يربط منظومة التمويل متناهى الصغر بالإنتاج الحيوانى والداجنى والسمكى، وكيف يحول الجمعيات الزراعية من منافذ تقليدية للأسمدة إلى مراكز لوجستية استثمارية تدعم التنمية الريفية الحقيقية. فى ظل التحديات الاقتصادية العالمية، لن يضخ المستثمر المحلى أو الأجنبى أمواله فى قطاع الزراعة أو التصنيع الغذائى إلا إذا وجد أمامه لغة مشتركة يفهمها ألا وهى لغة الأرقام، دراسات الجدوى، وتسهيل الإجراءات الائتمانية والمالية، لأن المصرفى بطبيعة تكوينه المهنى يمتلك هذه الأدوات، وهو الأقدر على تهيئة المناخ الاستثمارى، وتسهيل الشراكات مع القطاع الخاص وتطوير منظومة التصدير الزراعى لفتح أسواق عالمية جديدة تضمن تدفق العملة الصعبة وتدعم الميزان التجارى للدولة.
إن تبنى الدولة لهذا الفكر الاقتصادى لا يعنى بأى حال من الأحوال تهميش العلم الزراعى أو التقليل من شأنه، بل هو توظيف ذكى للأدوار. فالوزير فى الفكر الإدارى المعاصر هو المدير الاستراتيجى وصانع السياسات والممول، أما الجوانب العلمية والهندسية البحتة فلها رجالها وقاماتها.
إن الدولة المصرية تمتلك قلاعاً علمية راسخة متمثلة فى مركز البحوث الزراعية ومركز بحوث الصحراء واللذين يزخران بآلاف العلماء والمهندسين العباقرة فى مجالات تحسين السلالات، استنباط التقاوى، ومكافحة الآفات. ودور الوزير المصرفى هنا هو توفير الغطاء المالى والدعم المؤسسى لهؤلاء العلماء وتحويل أبحاثهم المبتكرة من مجرد دراسات على الورق إلى مشروعات إنتاجية مربحة وذات جدوى ملموسة على أرض الواقع.
إن التوجه نحو إسناد الحقائب الوزارية الإنتاجية لرجال المال والاقتصاد يتلخص فى كلمة واحدة هى الاستدامة التى لا تتحقق بالشعارات بل بلغة الأرقام وحسن إدارة الموارد وتوفير البدائل التمويلية الذكية.
إنها مرحلة جديدة تؤكد أن الزراعة فى مصر لم تعد مجرد حرفة متوارثة بل أصبحت صناعة واستثماراً واقتصاداً يقود قاطرة التنمية نحو المستقبل.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض