رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

مقاهى وبضائع وبلطجى برتبة «سايس»:

ﻣﺎﻓﻴﺎ اﻷرﺻﻔﺔ ﺗﺴﺘﻮﻟﻰ ﻋﻠﻰ ﺷﻮارع اﻟﺠﻴﺰة

بوابة الوفد الإلكترونية

القوانين مجرد حبر على ورق.. والمحليات خارج الخدمة 

خبراء: لابد من إنشاء جراجات متعددة الطوابق وتنظيم عمل السايس وإزالة الاشغالات عن الأرصفة

 

لم يعد السير على الرصيف فى كثير من شوارع مصر مهمة سهلة، مواطنون أصبحوا مضطرين إلى النزول إلى نهر الطريق هربًا من مقهى احتل الرصيف، أو سايس فرض سيطرته على أماكن الانتظار دون ترخيص، أو بائع جائل حول الممرات العامة إلى سوق مفتوح. وبين هذه التجاوزات، يبقى السؤال: لمن أصبحت الشوارع؟ 

فى جولة ميدانية أجرتها «الوفد» بشوارع مصدق، والتحرير، وبولس حنا، والسودان بمحافظة الجيزة، رصدنا مشاهد متكررة تعكس حجم الفوضى التى يعانى منها المواطن يوميًا، فى ظل استيلاء بعض المخالفين على الأرصفة والشوارع العامة، بما يعوق حركة المشاة والسيارات.

أرصفة خارج الخدمة

فى شارع مصدق، اختفت أجزاء كبيرة من الأرصفة خلف طاولات وكراسٍ امتدت من المقاهى إلى منتصف الممر، بينما اضطر المارة إلى السير وسط السيارات، معرضين أنفسهم للخطر، لم تعد الأرصفة تؤدى وظيفتها الأساسية، بل تحولت فى كثير من المواقع إلى امتداد للنشاط التجارى.

المشهد ذاته تكرر فى شارع التحرير، حيث امتدت بعض المقاهى بمقاعدها ومظلاتها لمساحات واسعة، فيما بدت حركة المشاة أكثر صعوبة، خاصة لكبار السن وذوى الإعاقة والأمهات اللاتى يدفعن عربات الأطفال.

 

سايس بلا ترخيص

وعلى امتداد الشوارع، برزت ظاهرة السايس غير المرخص، إذ يقف بعض الأشخاص أمام العقارات أو على جانبى الطرق، يوجهون السيارات إلى أماكن الانتظار، ثم يطالبون السائقين بمبالغ مالية مقابل خدمة لا تستند إلى أى صفة قانونية، ورصدت الجولة حالات لسياس يفرضون رسومًا على قائدى السيارات، مع الاعتراض على مغادرة المكان دون الدفع، فى مشهد يثير استياء المواطنين الذين أكدوا أن بعض هؤلاء يعتمدون أسلوب الترهيب وافتعال المشكلات لإجبار السائقين على السداد.

 

الباعة الجائلون

وفى شارع السودان، اتسعت رقعة إشغالات الباعة الجائلين الذين استحوذوا على أجزاء من الأرصفة والطريق بعرباتهم وبضائعهم، ما تسبب فى اختناقات مرورية وصعوبة حركة المارة، ولم تقتصر المخالفات على الأرصفة، بل امتدت إلى نهر الطريق، حيث اصطفت عربات البيع فى أماكن تعوق حركة المركبات، بينما اضطر المواطنون إلى المرور بين السيارات فى ظل غياب مساحات آمنة للمشاة.

 

شوارع القاهرة محتلة 

فى محافظة القاهرة الحال لا يختلف كثيرًا، بل إنه أسوأ بمراحل، أرصفة كاملة اختفت أسفل مقاعد ومناضد الكافيهات أو البضائع المتراصة، حتى شوارع وسط القاهرة فقد تآكل نصف الشارع أو أكثر بسبب الباعة الجائلين الذين احتلوا نصف الشارع تاركين مساحة تكفى بالكاد لمرور سيارة واحدة، بينما وجد المشاة أنفسهم يصارعون من أجل المرور.

ففى شارع 26 يوليو فى منطقة وكالة البلح احتل باعة الملابس الأرصفة تمامًا ونزلوا إلى نهر الشارع، ومنهم من امتد انشاره إلى شارع الجلاء، وكل هذا تم تحت سمع وبصر المسئولين الذين لم يحركوا ساكنًا.

كذلك اختفت أرصفة شوارع وسط البلد بعد أن احتلها الباعة الجائلون ببضائعم التى تبدأ من الإكسسوارات والأطعمة وتمتد إلى الملابس والأحذية.

 

السايس يكسب 

ورغم مرور سنوات على إصدار قانون تنظيم انتظار المركبات فى الشوارع، المعروف إعلاميًا بـ«قانون السايس»، فإن الظاهرة لم تختفِ من الشارع المصرى، بل عادت لتفرض نفسها من جديد، وسط تزايد شكاوى المواطنين من مطالبة بعض الأشخاص برسوم انتظار دون سند قانونى، فى مشهد يعيد التساؤلات حول مدى فاعلية القانون وقدرته على إنهاء العشوائية.

ففى كثير من الشوارع، لا يزال المواطن يفاجأ بشخص يقترب منه فور توقف سيارته، يحدد له مكان الانتظار، ثم يطالبه بمبلغ مالى عند المغادرة، دون أن يحمل ترخيصًا أو بطاقة تعريف أو حتى إيصالًا رسميًا، وهو ما يعكس استمرار الممارسات التى استهدف القانون القضاء عليها.

وجاء قانون تنظيم انتظار المركبات بهدف إعادة الانضباط إلى الشارع، وإنهاء حالة الفوضى التى صاحبت نشاط السايس لسنوات، من خلال تقنين أوضاع العاملين بالمهنة ووضع ضوابط لممارسة النشاط، بما يضمن حماية حقوق المواطنين ومنع تحصيل أى رسوم خارج الإطار القانونى.

ونص القانون على مجموعة من الضوابط، أبرزها حصول السايس على ترخيص رسمى، وارتداء زى موحد يميزه، والالتزام بالتعريفة التى تحددها الجهات المختصة، مع إصدار إيصال معتمد مقابل أى رسوم يتم تحصيلها، بما يضمن الشفافية ويمنع الاستغلال.

كما حدد القانون شروطًا لمزاولة المهنة، من بينها ألا يقل عمر المتقدم عن 21 عامًا، وأن يجيد القراءة والكتابة، ويحمل رخصة قيادة سارية، ويقدم ما يثبت عدم تعاطيه المواد المخدرة، إلى جانب صحيفة الحالة الجنائية، وإثبات أداء الخدمة العسكرية أو الإعفاء منها.

ورغم هذا ما زال المواطنون يعانون من هؤلاء البلطجية الذين احتلوا الشوارع لحسابهم الخاص دون وجه حق، وإذا لم يدفع المواطن المبلغ المطلوب تصبح سيارته معرضة للتجريح أو التكسير.

وفى كل مرة يبحث فيها المواطن عن مكان لركن سيارته، تبدأ رحلة لا تقل صعوبة عن زحام الشوارع، إذ يجد نفسه أمام شخص يفرض سيطرته على الطريق العام، يحدد قيمة الانتظار، ثم يطالب بالدفع وكأن الشارع ملك خاص. وبين الرغبة فى تجنب المشكلات والخوف على السيارة، يفضل كثيرون الدفع على الدخول فى مواجهة قد تنتهى بخسائر أكبر.

يقول محمد حسن، موظف بالقطاع الخاص، إنه يتعرض للموقف نفسه بشكل شبه يومى أثناء ذهابه إلى عمله: «أول ما أركن العربية يطلع لى السايس ويحدد المبلغ، ولو اعترضت يقول دى تسعيرة المكان، المشكلة إنك بتدفع مش مقابل خدمة، لكن خوفًا على عربيتك».

ويضيف أن أكثر ما يثير غضبه هو غياب الرقابة، متسائلًا: «القانون موجود، لكن بيتطبق على مين؟ لو السايس غير مرخص، ليه لسه واقف فى الشارع كل يوم؟».

أما أحمد السيد، صاحب شركة، فيروى موقفًا تعرض له بعد رفضه دفع مبلغ اعتبره مبالغًا فيه، قائلًا: «السايس أتكلم معايا بطريقة غير لائقة، وفضل يهددنى بشكل غير مباشر. فى الآخر دفعت ومشيت، لأن عندى شغل ومش فاضى أدخل فى خناقة».

ويؤكد أن كثيرًا من أصحاب السيارات أصبحوا يعتبرون المبلغ الذى يدفعونه نوعًا من «الإتاوة» لتجنب أى ضرر قد يلحق بسياراتهم.

من جانبه، يقول محمود إبراهيم، أحد سكان الجيزة، إن المشكلة لا تقتصر على تحصيل الأموال فقط، بل تمتد إلى احتلال الشوارع بالكامل، موضحًا: «فى شوارع كاملة بقت تحت سيطرة السايس، ولو حاولت تركن بنفسك يقولك المكان محجوز أو ممنوع».

ويضيف: «إحنا ناس ورانا مصالح، ومش بتوع مشاكل، فبنضطر ندفع ونمشى، رغم إننا عارفين إن ده غلط».

وتروى منى عادل، وهى موظفة، أنها أصبحت تتجنب استخدام سيارتها فى بعض المناطق بسبب تكرار هذه المواقف، مؤكدة أن الخوف من المشادات أو التعرض للإساءة أصبح يدفعها للبحث عن وسائل مواصلات بديلة.

وتقول: «كل مرة أنزل منطقة مزدحمة أبقى عارفة إن فيه سايس هيطلب فلوس، ولو رفضت ممكن ألاقى كلام جارح أو مشكلة أنا فى غنى عنها».

ويضيف كريم عبدالله، مهندس، إن أزمة السايس أصبحت جزءًا من يومه، خاصة فى المناطق التجارية، موضحًا: «مفيش مرة أركن فيها عربيتى إلا وألاقى حد بيطلب فلوس، حتى لو وقفت لدقائق. ولو حاولت تستفسر عن الترخيص أو التعريفة، تلاقى ردود مستفزة وكأنك بتعمل حاجة غلط».

أما وليد فؤاد، صاحب محل، فيؤكد أنه شهد أكثر من مشادة بين قائدى سيارات وسايس بسبب الخلاف على قيمة الرسوم، مضيفًا: «ناس كتير بتدفع خوفًا من أى مشكلة. محدش ضامن يرجع يلاقى عربيته سليمة لو حصل خلاف».

وتقول سارة محمود، موظفة بإحدى الشركات، إنها تفضل اصطحاب أحد أفراد أسرتها عند استخدام سيارتها فى بعض المناطق المزدحمة، مضيفة: «أوقات ببقى خايفة أدخل فى نقاش مع السايس، لأن أسلوب البعض بيكون فيه تجاوز، وفى النهاية بدفع علشان أمشى».

فيما يرى إيهاب صلاح، محاسب، أن المواطن أصبح الحلقة الأضعف، قائلًا: «إحنا بنلتزم بالقانون وندفع الضرائب والرسوم، لكن فى الشارع بنلاقى نفسنا قدام أشخاص بيفرضوا علينا مبالغ من غير أى سند. كل اللى بنطلبه إن القانون يطبق على الجميع، وإن الشارع يرجع للمواطن بدل ما يفضل خاضع للعشوائية.

 

آليات التنفيذ 

فى سياق ما سبق، يرى اللواء الدكتور رضا فرحات، محافظ الإسكندرية والقليوبية الأسبق وخبير التنمية المحلية، أن قانون تنظيم انتظار المركبات حقق نتائج إيجابية فى عدد من المحافظات، لا سيما القاهرة والجيزة، بعد تخصيص أماكن انتظار رسمية وتطبيق التعريفة المقررة فى بعض المناطق، إلا أن هذه النتائج لا تزال محدودة مقارنة بحجم التحديات القائمة.

ويؤكد فرحات أن العقبة الحقيقية لا تكمن فى نصوص القانون، وإنما فى آليات تنفيذه على أرض الواقع، مشيرًا إلى أن استمرار انتشار السايس غير المرخص وضعف الرقابة الميدانية فى العديد من المناطق يقللان من فاعلية المنظومة ويحولان دون تحقيق أهدافها فى ضبط الشارع وحماية المواطنين من الممارسات غير القانونية.

ويضيف أن نجاح المنظومة يتطلب متابعة مستمرة، وقواعد بيانات دقيقة تتضمن أعداد السياس المرخصين، وحجم الإيرادات، والمخالفات، بما يضمن إحكام الرقابة ورفع كفاءة التنفيذ.

 

جراجات متعددة الطوابق

وفى السياق ذاته، يدعو خبراء الإدارة المحلية إلى التوسع فى إنشاء الجراجات متعددة الطوابق داخل المدن المزدحمة، باعتبارها أحد الحلول العملية لتخفيف الضغط على الشوارع، إلى جانب الاعتماد على أنظمة الدفع الإلكترونى والتطبيقات الذكية وتقنيات QR Code لتحصيل الرسوم، بما يعزز الشفافية ويحد من أى تلاعب أو تحصيل غير قانونى.

من جانبه، يرى الدكتور حمدى عرفة، أستاذ الإدارة المحلية، أن تطبيق القانون لا يزال محدودًا، موضحًا أن نسب التنفيذ الفعلية فى بعض المناطق لا تتجاوز ما بين 5 و7%، وهو ما يعكس الفجوة بين التشريع والتطبيق.

ويشير إلى أن المواقف العشوائية ما زالت تنتشر أمام المصالح الحكومية والمراكز التجارية وأسفل الكبارى وعلى امتداد العديد من الشوارع الرئيسية، الأمر الذى يسهم فى زيادة التكدسات المرورية، ويؤثر سلبًا على انسيابية الحركة داخل المدن.

ووفقًا لتقديرات عرفة، يبلغ عدد المواقف العشوائية فى مختلف المحافظات نحو 2052 موقفًا، تمثل جزءًا من الاقتصاد غير الرسمى، وتحرم الدولة من حصيلة مالية تقدر بمليارات الجنيهات سنويًا، فضلًا عن تأثيرها المباشر على تنظيم المرور.

وأشار إلى أن القانون لم يتناول بصورة كافية ملف التوك توك، سواء من حيث تنظيم أماكن انتظاره أو خطوط سيره داخل المدن، رغم أن عدد هذه المركبات يقترب من 3 ملايين، ما يجعلها عنصرًا مؤثرًا فى مشهد الازدحام المرورى، ويستدعى إدراجها ضمن أى رؤية شاملة لإعادة الانضباط إلى الشارع المصرى.