لعل وعسى
تناولنا فى المقالين السابقين تصاعد حالة عدم اليقين، وأن الإعتماد على قيادة الولايات المتحدة لحل الأزمات لم يعد أمراً مضموناً. وهو ما حذا بمتخذ القرار فى مصر بالاعتماد على الذات بعد مرحلة كانت إلى حد ما ضرورية مع صندوق النقد الدولى. والعمل على إعداد «برنامج اقتصادى وطنى شامل» يقود المرحلة التالية للإقتصاد. لذا فإن نجاح مرحلة ما بعد إنتهاء برنامج مصر مع الصندوق، تتطلب إطلاق برنامج اقتصادي وطنى واضح المعالم، يستند إلى ملامح المادة 27 من دستور مصر 2014، مع استكمال الإصلاحات الإقتصادية التى بدأناها، مع إقتراح بأن البرنامج الاقتصادى الوطنى يجب أن يرتكز على محاور رئيسية. المحور الأول: استعادة الإستقرار المالى والإقتصادى الكلى. والمحور الثانى تنويع الصادرات. والمحور الثالث تطوير البنية التحتية والشبكات الإقتصادية الكبرى. أما المحور الرابع فهو التحول الرقمى ودعم قطاع الأعمال الناشئ .والمحور الأخير يدور حول الاستدامة البيئية والعدالة الإجتماعية، وفى هذا المحور الهام نرى أن الاستدامة البيئية والعدالة الإجتماعية تلعبان دوراً جوهرياً فى نجاح أى برنامج اقتصادي وطنى شامل ،لأنهما طبقا للنماذج التنموية العالمية الناجحة يمثلان معاً الركيزة الأساسية لتحقيق تنمية متوازنة ومستدامة. فتفعيل مبدأ الاستدامة البيئية يضمن ضمان عدم استنزاف الموارد الطبيعية لدعم استمرارية الإنتاج للأجيال القادمة. كما يضمن دعم توجه الدولة نحو التحول إلى الاقتصاد الأخضر، وخلق قطاعات وفرص عمل جديدة. وكذلك يضمن تفعيل هذا المبدأ خفض الأعباء المالية الناتجة عن الكوارث البيئية وتلوث الهواء ومعالجة النفايات. أما مبدأ العدالة الإجتماعية فتفعيله يضمن تقليص الفوارق الطبقية وتوفير فرص عمل متكافئة لجميع شرائح المجتمع. ويضمن أيضاً تحسين جودة التعليم، الرعاية الصحية، وبالتالى تقليل معدلات الجريمة والتوترات الاجتماعية، مما يخلق بيئة استثمارية جاذبة وآمنة. هذه المحاور السابقة هى داعم حقيقى لتبنى مصر إستراتيجية التنمية المستدامة والتى تهدف إلى تحسـن جـودة الحيـاة فى الوقـت الحـاضر بما لا يخل بحقوق الأجيال القادمة فى حيـاة أفضـل، تقوم على: الارتقاء بجودة حياة المواطن المصرى وتحسين مستوى معيشته. مع القيام على تبنى مفهوم العدالة والاندماج الاجتماعى والمشاركة القائم على تحقيق المساواة فى الحقوق والفرص، وتحقيق العدالة المكانية وسد الفجوات التنموية الجغرافية. مع رفع درجة مرونة وتنافسية الاقتصاد لتقوم على المعرفة والابتكار والبحث العلمى، عبر الاستثمار فى البشر وبناء قدراتهم الإبداعية. وأعتقد أن كل ما سبق لا بد وأن يكون ضامنا لتحقيق الأمن الغذائى والمائى وأمن الطاقة المستدام، كوسيلة وهدف جوهرى لتعزيز مكانة مصر إقليمياً ودولياً. وفى نهاية المطاف يجب أن يدرك المشاركين المحتملين فى إعادة صياغة برنامج وطنى اقتصادي شامل للدولة المصرية لمرحلة ما بعد صندوق النقد الدولى، ضرورة صياغة خطة عمل متكاملة بأيادى وعقول وطنية، تهدف إلى الانتقال بالاقتصاد من مرحلة تثبيت الاستقرار(التعامل مع التحديات والأزمات) إلى مرحلة النمو المستدام، مما ينعكس مباشرة على رفع مستوى معيشة المواطنين وتعزيز قدرة الدولة على التنافسية. وهذا يتطلب منهم جميعاً عند صياغة هذا البرنامج الاقتصادى الوطنى للجمهورية الجديدة، أن يكون من بين ثنايا هذا البرنامج أولا: تحقيق حلم مبادرة «اصنع فى مصر « لتحويل مصر إلى مركز التصنيع العالمى إعتماداً على مشروع تنمية محور قناة السويس بما يضمه من 40 صناعة كبرى. ثانياً: استمرارية نهج التنمية القائمة على البنية التحتية عبر ضخ المزيد من الاستثمارات فى بناء شبكات الطرق السريعة، الموانئ، المطارات، والسكك الحديدية لربط المدن الكبرى بالمناطق الريفية. ثالثاً: ضمان التحقيق الفعلى للشمول المالى والاقتصادى،وهذا يقلل من البيروقراطية ويسهل تأسيس الأعمال. رابعاً: جذب الإستثمارات الأجنبية بتقديم حوافز ضريبية، وتبسيط الإجراءات القانونية، وتوفير مناطق اقتصادية خاصة. أخيراً تحقيق حلم الاكتفاء الذاتى عبر برنامج يهدف إلى تقليل الإعتماد على الخارج فى القطاعات الحيوية، حتى تتحقق العدالة، وأن تعيش مصر المعنى الحقيقى لوجودها.
رئيس المنتدى الاستراتيجى للتنمية والسلام
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض