مراجعات
لكل شعب طريقته الخاصة في التعبير عن «الفرح» و«السعادة»، لكن الشخصية المصرية تكاد تنفرد بأسلوبها «الاستثنائي» في الاحتفاء بـ«الإنجازات»، التي تتجاوز حدود «الاحتفالات»، لتمتد إلى صناعة مشاهد «صاخبة» تفوق حجم ما تحقق، فيما يتوارى «الإنجاز» خلف «الضجيج».
قديمًا، كان «يوم الحِنَّة» في الريف، طقسًا اجتماعيًّا بسيطًا، يسبق «ليلة الدُّخلة»، تلتقي فيه النساء بالغناء والتصفيق والفكاهة ـ في حالة من الوقار ـ احتفاءً ببداية حياة جديدة.. فكان للمشهد منطقه، وللفرح مبرره، وللأغنية زمانها ومكانها، لكن تلك الطقوس تحولت إلى ثقافة عامة، فانتقلت من الأفراح إلى تفاصيل حياتنا كافة.
لعل ما شهدناه أخيرًا، عقب انتهاء امتحانات الثانوية العامة، خير دليل على تلك الحالة غير المنضبطة، فبعد عام كامل من القلق والإجهاد والتوتر، خرج بعض الطلبة من اللجان، لينضموا إلى أسرهم، على وَقْعِ «وصلات الرقص الشرقي» المصحوبة بـ«أغاني المهرجانات»، وكأنهم عائدون من «حفلة زار»، لا من قاعات امتحان!
بالطبع، «الفرح» حق مشروع، لكنه حين يتجاوز المعقول، يتحول إلى «استعراض» و«مبالغة»، تُفقد المناسبة معناها، ليصبح المشهد أقرب إلى فوضى «سوق السمك»، وهو ما تجسَّد بوضوح، فور عودة منتخبنا الوطني إلى الوطن بعد المشاركة في مونديال 2026.
ورغم انتهاء البطولة «رسميًّا»، وتتويج منتخب إسبانيا باللقب الثاني في تاريخه، عن جدارة واستحقاق، إلا أننا ما زلنا نعيش أجواءها، عبر الإعلام «المرئي والمقروء والمسموع والرقمي»، حيث تحول الخروج «المُشَرِّف»، بقُدرة إعلامية استثنائية، إلى إنجاز فريد يحتاج إلى إقامة الأفراح والليالي المِلاح!
على مدار أيام، لم يتوقف الأمر عند استضافة اللاعبين، أو الأجهزة الفنية والإدارية، بل امتد إلى آبائهم وأمهاتهم وزوجاتهم وأبنائهم وإخوتهم وأخواتهم وأصدقائهم وجيرانهم، حتى شعرنا بأن البطولة الحقيقية كانت خارج المستطيل الأخضر، من خلال اكتشاف شجرة العائلة، فصار لكل صورة قديمة حكاية، وكل دمعة في الطفولة فيلم وثائقي، وكل قصة شخصية مساحة من البث، حتى تفوقنا في إنتاج القصص لتكون أكثر غزارة من تسجيل الأهداف.. أو حتى الحصول على كأس البطولة!
لسنا ضد تكريم المجتهدين والمميزين، كما لا نُقَلِّل أبدًا من قيمة أي إنجاز يُسعد الناس أو يمنحهم الأمل، لكن المشكلة في أن تتحول المكافآت «السَّخِيَّة» إلى عرضٍ مستمر، والامتيازات الهائلة إلى استفزاز طبقي، بينما يعيش المواطن «المطحون» معارك قاسية مع فواتير الكهرباء والماء والغاز والإنترنت، مسبوقة بموجات غلاء متتالية في أسعار الغذاء والدواء، ويُطلب منه أن يشارك في «الإنجاز» بالهتافات والتصفيق، ثم يُترك وحيدًا لمواجهة واقعه الأليم الذي لا يشاركه فيه أحد!
أخيرًا.. الأمم الناجحة لا تتقدم أو تتطور بكثرة الاحتفالات، بل بدقة معاييرها في الحكم على النجاح، وعندما يفقد «الاستثناء» نُدرته، يفقد «الإنجاز» قيمته، ولذلك فإن خطورة «ثقافة المبالغة» تكمن في إفساد موازين التقدير، عندما يختلط «الاستثنائي» بـ«العادي»، ليصبح كل حدثٍ «تاريخيًّا»، وأي مشاركة «أسطورية»، وكل ظهور «بطولة»!
فصل الخطاب:
يقول الفرنسي «مونتسكيو» أحد فلاسفة عصر التنوير: «العظمة الحقيقية لا تحتاج إلى ضجيج».
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض