كلما ضاقت به الحياة، وذكر لى مستنكرًا كيف صار الحال، متذكرًا البدايات وأولى خطوات الطريق فى عالم الصحافة، وكيف اجتاز الصعاب لوضع قدمه على عتبة «المهنة»، كنت أردد على مسامعه بحماس «ارفع رأسك أيها الكاتب!» وهو عنوان مقال للراحل مصطفى أمين فى كتابه «الـ 200 فكرة»، ثم أقوم بحذف علامة التعجب من نبرة صوتى لتتحول إلى إقرار وصيغة يقين لا تحتمل تلك العلامة بجوارها.
ثم أهدئ من روعه وأذكر له ما جاء فى المقال مفسرًا عنوانه، بأن الرئيس جمال عبدالناصر عندما أنعم على «توفيق الحكيم» بقلادة النيل وهى قلادة لا ينعم بها إلا على الملوك والرؤساء، رجا «الحكيم» أن يتم هذا التكريم فى لقاء خاص ليس فيه متفرجون ولا مصورون لأنه كان يكره الظهور فى الاجتماعات الكبيرة والحفلات الرسمية، ولكن «عبدالناصر» قرر أن تكون المناسبة عامة، وارتدى «الحكيم» أحسن بدلة عنده ووقف أمام المرآة ينظر إلى صورته فى بدلة مقابلة الحكام والناس العظام.
وفجأة قالت له زوجته -رحمها الله-: إياك أن تنحنى وأنت تصافح رئيس الجمهورية، فقال توفيق فى دهشة: لماذا لا أنحني!، إننى أنحنى وأنا أصافح أى مخلوق، فقالت له: إنك عندى تساوى رئيس الجمهورية، ورفضت زوجة الحكيم أن ينحنى الأدب للسياسة، وبالفعل ذهب «توفيق الحكيم» إلى الحفلة ولم يحن رأسه وظهر رافعًا قامته وهو يتسلم قلادة النيل منتصب القامة كأنه ملك يتحدث إلى ملك.
ذكر مصطفى أمين تلك القصة أيضًا فى صحيفة «أخبار اليوم» بعددها الصادر 18 يوليو 1987، الصفحة الخامسة، فى حلقته «شخصيات لا تنسي» متحدثًا عن توفيق الحكيم تحت عنوان «عدو المرأة يتزوج بشروطه»، وذكر أن السيدة «سيادات» زوجة الحكيم، تابعت ذلك الاحتفال فى التلفاز ولاحظت أنه لم ينحن أمام الرئيس وسعدت بذلك أكثر مما سعدت بالوسام.
وكلما رأيت فى عين صديقى أننى أتحدث من عالم آخر وفى زمان غير هذا الزمان، كنت أزيده وأروى على مسامعه بقية ما جاء فى المقال وأقول له مجددًا ذات العنوان «ارفع رأسك أيها الكاتب!» مع الحفاظ على اليقين فى نبرة صوتى وحذف علامة التعجب، بأن توفيق الحكيم كان يرى أن مكانة الكاتب فى أى بلد متحضر هى أكبر من مكانة الوزير، وكان هذا شعور عباس العقاد أيضًا، وأن واحدًا من زوار «العقاد» قال له ذات مرة كيف أن محمد محمود باشا اختار الدكتور محمد حسنين هيكل وزيرًا للمعارف ولم يفكر «النقراشى» فى اختيارك وزيرًا للمعارف، فضحك «العقاد» قائلاً: إن النقراشى يعلم أنه ينزل «العقاد» درجتين عندما يقترح تعيينه وزيرًا للمعارف.
ثم أردفت له مخففًا وطأة ما نحن فيه، أن الملك أنعم على الدكتور طه حسين برتبة الباشاوية، وذهبت الباشاوية وظل طه حسين، وقال الزعيم سعد زغلول لأحمد شوقى: تأكد أن كلمة شوقى ستدخل وحدها التاريخ.. أما الباشاوية فسوف تموت معك.
كان صديقى أكثر منى اطلاعًا وحُجة، فردَّ علىَّ بأن مهنة الصحافة يبدو أنها أخطأت أصحابها وظلمت أهلها، فأوضاع الغالبية العظمى ممن يمتهنون تلك الحرفة يذوقون «الأمرين»، المُر الأول: غلاء الأسعار وضيق المعايش، والمرُ الثانى: ضغوط من لا يعون ماهية الصحافة ورسالتها، وقال لى غاضبًا: «باشاوية إيه يا أستاذ.. عايزين نعيش»؟!، ثم ارتفعت نبرته وصارت أكثر عنفًا: ألم تسمع صرخة صديقك الإعلامى الكبير محمد على خير فى برنامجه «المصرى أفندي» بخصوص الحال الذى وصل إليه الصحفيون، مطالبًا فيها بالتدخل الفورى وإيجاد حلول سريعة لتحسين أوضاعهم المؤسفة ورواتبهم المتدنية.
ختامًا: حاولت أن أهدِئ من روع صديقى وحالة «الأمرين» التى نذوقها، وقلت له بمرارة: إذًا «لا تحن رأسك يا صديقى!!».. وهذا أضعف الإيمان، ثم جاءت علامات التعجب تتراص واحدة تلو أخرى من تلقاء نفسها بجوار هذا العنوان، تواسينا وتخفف عنا وعلينا «طعم الأمرين».
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض