ولادة بين جبال نويبع على يد رجال الإسعاف بجنوب سيناء (تفاصيل)
من بين ثنايا جبال نويبع، ومن قلب ظلامها الدامس، وحيث سحر الطبيعة الخلابة، انبثق الأمل في أبهى صوره، في صورة صرخة وبكاء لطفلة وليدة، هي المولودة الأولى لأم من بدو جنوب سيناء.
في الإسعاف المصري، مسرح العمل هو كل شبر في أرض مصر، وساعات العمل تستمر وتتواصل حتى إن غابت الشمس وساد الليل، ومفهوم الراحة في قاموس الإسعاف اللغوي هو المرحلة التي تلي إنقاذ المريض أو المصاب.

في الثانية بعد منتصف الليل، وبينما كان المسعف عبد السلام عبد الجابر يتجاذب أطراف الحديث مع زميله فني القيادة أحمد عبد الهادي، قطع الحديث بينهما إشارة جهاز اللاسلكي بوجود حالة طبية طارئة بمدينة نويبع، لينتفض الزميلان في ثوانٍ معدودة، نافضين عن أجسادهما روح السكينة والهدوء التي فرضها ضوء القمر على تلك المدينة الهادئة، ليتوجها مباشرة صوب موقع الاستغاثة. وفور وصولهما، تبين لهما أن الحالة هي سيدة في مقتبل العشرينيات من العمر، وقد داهمتها آلام المخاض بشكل عنيف، وقد خارت قواها تمامًا، وصارت لا تقوى على الحراك. في ثوانٍ معدودة، كانت السيدة ووالدتها داخل كابينة سيارة الإسعاف، ووجهتهما صوب مستشفى سانت كاترين.
إلى هنا تظل الأمور لرجال الإسعاف عادية ومعتادة، ولكن الليل الطويل يحمل في جعبته الكثير. بين منحنيات وجبال الطريق الصاعدة، والتي تمثل أحد معالم مدينة نويبع، كانت الأم تطلق أعلى صرخاتها، لينخلع قلب أمها التي ترافقها خوفًا على ابنتها، ولكنها لم تملك سوى أن تربت على كتف المسعف عبد السلام، وهي تنطق عبارة مقتضبة مليئة بالدموع: "الحق بنتي". وبنبرة هادئة حانية، طمأن عبد السلام الأم على ابنتها الحامل، وهو يدرك تمامًا صعوبة الوصول إلى المستشفى بعد أن اكتملت كل علامات الولادة، ليكون القرار بمساعدة السيدة على وضع مولودها داخل سيارة الإسعاف.

بتعليمات واضحة وبسيطة، بدأ المسعف عبد السلام في توجيه الأم لوضع مولودها بشكل طبيعي، مع تهدئتها ومتابعة علاماتها الحيوية. وعلى النقيض، فتسارع الأحداث داخل كابينة المريض بسيارة الإسعاف قابله السائق أحمد عبد الهادي بهدوء وبطء، وهو في قلب الطريق الصاعدة المشهورة بمنحنياتها، لإعطاء فرصة لزميله عبد السلام لإسعاف الأم.
لحظات، وفق عقارب الساعة، قصيرة جدًا، ولكنها تظل طويلة وثقيلة على من يعاصرها. لحظات كانت صرخات الأم هي المتصدرة للمشهد، يقطعها صوت المسعف عبد السلام بتوجيهاته للأم، إلى أن أطلت تلك الملاك الصغيرة لتنافس أمها في البكاء والصراخ، في مشهد متلاطم الأحداث، كتلاطم أمواج تلك المدينة الساحلية. من سعادة تلك الجدة الجديدة، التي تحولت دموع القلق لديها إلى دموع فرح، وبين تلك الأم الجديدة التي بدأت تلتقط أنفاسها وهي تنظر إلى طفلتها، ووجهها يبتسم بعد أن تصبب عرقًا، وبين المسعف الذي حمل الطفلة بين يديه، وهو يقوم بتجفيفها وتحفيزها للاطمئنان عليها، وبين زميله السائق الذي تهللت أساريره بذلك الانتصار الذي سجله هو وزميله، انتصار سعينا أن ننقله من ظلام ليل نويبع إلى النور، لنشاركه معكم عبر صفحتنا.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض