رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

جهاد عبد المنعم يكتب: من مقاهي القاهرة إلى عرش العالم.. لماذا احتفل المصريون بهدف إسبانيا؟

بوابة الوفد الإلكترونية

لم يكن صوت الفرحة الذي دوى داخل المقاهي المصرية لحظة إحراز إسبانيا هدفها في شباك الأرجنتين صوتًا عابرًا تمر عليه مرور الكرام، ولم تكن تلك الصيحات مجرد انفعال طبيعي أمام هدف رائع جدًا في نهائي كأس العالم.

كان المشهد العفوي التلقائي أكثر عمقًا، ويكشف الكثير من التفاصيل، حيث إنه في لحظة واحدة ارتفعت أصوات المصريين في عدد كبير من المقاهي والبيوت، وصفق كثيرون لهدف إسبانيا، وكأن الفريق الإسباني الذي يرتدي الأحمر يمثلهم، أو كأن الكرة دخلت مرمى خصم مصري، لا مرمى المنتخب الأرجنتيني بطل العالم السابق.

فلماذا فرح المصريون؟

هل أحبوا إسبانيا إلى هذه الدرجة؟ أم أرادوا سقوط الأرجنتين لأنها المنتخب الذي أنهى حلم مصر في دور الـ16؟ أم انحازوا إلى جيل جديد يقوده فتى اسمه لامين يامال في مواجهة الجيل الأخير للأسطورة ليونيل ميسي؟

ربما كانت الإجابة هي كل ذلك معًا.

فرحة لإسبانيا.. أم ثأر كروي من الأرجنتين؟

الأرجنتين، التي أوقفت الرحلة المصرية في كأس العالم عند دور الـ16 عندما تغلبت على مصر بنتيجة 3-2، بعد مباراة خرج منها المصريون بمزيج من الفخر والحسرة، فقد قاوم المنتخب المصري بطل العالم، وتفوق عليه في كل أوقات المباراة حتى قبل النهاية بعشر دقائق فقط، واقترب من كتابة واحدة من أكبر مفاجآت البطولة، لكنه غادر في النهاية، بينما واصلت الأرجنتين طريقها حتى المباراة النهائية بعد أحداث مثيرة للجدل وعجيبة من الحكم والفار.

ومن هنا نشأ لدى قطاع من الجماهير المصرية إحساس طبيعي في كرة القدم، وهو الرغبة في خسارة الفريق الذي أخرج منتخبها.

لم يكن الأمر عداءً لميسي بالضرورة، ولا كراهية للأرجنتين، ولكنه نوع من الثأر الكروي غير المباشر، وكأن بعض المصريين أرادوا من إسبانيا أن تفعل ما لم تستطع مصر فعله، وأن توقف المنتخب الذي أنهى الحلم المصري.

وعندما جاء هدف إسبانيا، لم يكن مجرد هدف في نهائي المونديال، بل بدا في أعين كثيرين وكأنه الرد المتأخر على ليلة خروج الفراعنة، لهذا دوت المقاهي، ولهذا جاءت الصرخة والفرحة جماعية، فبعض الجماهير احتفلت بانتصار إسبانيا، وبعضها احتفل بسقوط الأرجنتين، وبعضها جمع بين الشعورين.

إسبانيا ليست غريبة عن الجمهور المصري

هناك سبب آخر لا يقل أهمية، وهو أن الكرة الإسبانية تتمتع بشعبية هائلة في مصر، أجيال كاملة من المصريين عاشت مع مباريات ريال مدريد وبرشلونة، وحفظت أسماء لاعبيهما، وانقسمت بينهما في المدارس والجامعات والمقاهي ومواقع التواصل الاجتماعي، لذلك لم تكن إسبانيا منتخبًا بعيدًا عن المشجع المصري.

نجومها معروفون، وطريقتها محبوبة، ولاعبوها ينتمون إلى أندية يتابعها المصريون أسبوعًا بعد آخر، كما أن الصعود المذهل للامين يامال جعله واحدًا من أكثر اللاعبين جماهيرية بين الشباب.

ولهذا كان من السهل أن يجد المنتخب الإسباني جمهورًا مصريًا جاهزًا للتعاطف معه، خصوصًا في مواجهة الأرجنتين التي كانت تحمل لقب المونديال، وتقودها أسطورة حصلت بالفعل على كل شيء تقريبًا، اسمها ليونيل ميسي.

من جرح قطر إلى عرش العالم

قصة إسبانيا في مونديال 2026 لا يمكن فهمها دون العودة إلى خيبة كأس العالم في قطر عام 2022.

دخل المنتخب الإسباني تلك البطولة وسط توقعات كبيرة، وبدأ مشواره بانتصار ساحق على كوستاريكا بسبعة أهداف نظيفة، فاعتقد كثيرون أن الماتادور عاد إلى صورته المخيفة، لكن الفريق سرعان ما كشف عن مشكلته الحقيقية، كان يستحوذ كثيرًا ويمرر كثيرًا، لكنه لا يضرب بالقدر الكافي. امتلك الكرة، لكنه افتقد المباشرة، بدا جميلًا في بعض الفترات، لكنه لم يكن حاسمًا.

وفي دور الـ16 اصطدمت إسبانيا بالمغرب، وانتهى الوقتان الأصلي والإضافي بالتعادل السلبي، قبل أن يسقط المنتخب الإسباني بركلات الترجيح، بعدما فشل في تسجيل أي ركلة، وتألق الحارس ياسين بونو في واحدة من أشهر ليالي الكرة العربية، وكانت تلك ثاني مرة متتالية تخرج فيها إسبانيا من دور الـ16 بركلات الترجيح، بعد سقوطها أمام روسيا في مونديال 2018.

لم تكن مشكلة إسبانيا في قطر نقص المهارة، بل غياب الفاعلية، استحواذ بلا أنياب، وتمريرات كثيرة لا تؤدي دائمًا إلى الخطر، واعتماد مبالغ فيه على السيطرة بدلًا من السرعة والمبادرة.

بعد البطولة انتهت مرحلة المدرب لويس إنريكي، وبدأت مرحلة لويس دي لا فوينتي، وهنا تغير كل شيء.

دي لا فوينتي يعيد بناء الماتادور

لم يهدم دي لا فوينتي الهوية الإسبانية، لكنه أعاد تشكيلها، احتفظ المنتخب بالقدرة على الاستحواذ والتمرير، لكنه أضاف السرعة على الأطراف، والضغط القوي، والتحولات المباشرة، والقدرة على اللعب بأكثر من أسلوب.

لم تعد إسبانيا تسعى إلى الاحتفاظ بالكرة لمجرد الاحتفاظ بها، بل أصبحت تستخدمها للوصول إلى المرمى.

ومع وجود لاعبين مثل رودري، وفابيان رويز، وميكيل ميرينو، ونيكو ويليامز، ولامين يامال النجم الجديد، تحول الفريق من منتخب يمتلك الكرة إلى منتخب يمتلك الكرة والخطورة معًا، وكانت النتيجة الأولى لهذا التحول هي الفوز ببطولة أوروبا 2024.

إسبانيا دخلت المونديال بطلة لأوروبا

لم تصل إسبانيا إلى كأس العالم 2026 كمنتخب يبحث عن نفسه، بل دخلت البطولة وهي بطلة أوروبا.

ففي يورو 2024 قدم المنتخب الإسباني واحدة من أقوى الرحلات في تاريخ البطولة، وتغلب في النهائي على إنجلترا بنتيجة 2-1، ليتوج باللقب الأوروبي للمرة الرابعة في تاريخه.

وخلال تلك البطولة، لم تكن إسبانيا مجرد بطلة، بل كانت في نظر كثيرين أفضل فريق من حيث الأداء، بعدما تفوقت على منتخبات كبيرة، وقدمت كرة هجومية تجمع بين الخبرة والشباب.

وحصل رودري على جائزة أفضل لاعب في البطولة، بينما فاز لامين يامال بجائزة أفضل لاعب شاب، واختير هدفه أمام فرنسا كأفضل أهداف يورو 2024.

إذن، ما حدث في مونديال 2026 لم يكن انفجارًا مفاجئًا، بل كان امتدادًا لمشروع بدأ في أوروبا ثم وصل إلى قمته العالمية.

رحلة إسبانية لم تعرف التراجع

بدأت إسبانيا مشوارها في المجموعة الثامنة إلى جانب أوروجواي والسعودية والرأس الأخضر.

وتصدرت مجموعتها، بعد رحلة أكدت منذ البداية أن هذا الفريق جاء للمنافسة على اللقب، لا لمجرد الوصول إلى الأدوار الإقصائية.

اكتسحت السعودية بأربعة أهداف نظيفة، ثم حسمت صدارة المجموعة بالفوز على أوروجواي بهدف دون رد، لتدخل الأدوار الإقصائية بثقة كبيرة.

وفي دور الـ32 تغلبت على النمسا بثلاثة أهداف نظيفة في مباراة تألق خلالها لامين يامال، وفرضت إسبانيا أسلوبها من البداية حتى النهاية.

ثم جاءت مواجهة البرتغال في دور الـ16، وهي المباراة التي حملت اختبارًا نفسيًا بالغ الصعوبة، لأن هذا الدور تحديدًا كان عقدة إسبانيا في مونديالي 2018 و2022.

لكن الفريق الجديد لم يكرر أخطاء الماضي.

انتصر بهدف نظيف سجله ميكيل ميرينو في الوقت القاتل، وعبر إلى ربع النهائي للمرة الأولى منذ تتويجه باللقب عام 2010.

كما واصل الحارس أوناي سيمون سلسلة شباكه النظيفة، في مؤشر على الصلابة الدفاعية الكبيرة للفريق.

وفي ربع النهائي، واجهت إسبانيا منتخب بلجيكا، ونجحت في حسم المباراة بنتيجة 2-1 بهدفي فابيان رويز وميكيل ميرينو.

أما في نصف النهائي، فقد قدمت واحدة من أقوى مبارياتها، وتغلبت على فرنسا بهدفين نظيفين، لتسقط أحد أكبر المرشحين للقب وتحجز مقعدها في النهائي العالمي للمرة الثانية في تاريخها، ثم جاءت ليلة نيويورك أمام الأرجنتين.

ليلة جمعت بطلة أوروبا ببطل العالم، وجمعت لامين يامال بميسي، وجمعت المستقبل بأحد أعظم رموز الماضي.

امتدت المباراة إلى الوقت الإضافي، قبل أن تنتزع إسبانيا الانتصار بهدف نظيف، وتحمل الكأس العالمية للمرة الثانية في تاريخها، لأن هذا هو اللقب العالمي الثاني لإسبانيا.

فقد حققت لقبها الأول في مونديال جنوب إفريقيا 2010، عندما تغلبت على هولندا في النهائي بهدف أندريس إنييستا الشهير خلال الوقت الإضافي أيضًا.

كان ذلك المنتخب يعتمد على جيل تاريخي يضم إيكر كاسياس، وكارليس بويول، وتشافي هيرنانديز، وأندريس إنييستا، وسيرجيو بوسكيتس، وديفيد فيا.

أما لقب 2026 فجاء بجيل مختلف، وأسلوب أكثر تنوعًا، وقيادة فنية جديدة، ونجم شاب لم يكن قد تجاوز الثالثة من عمره عندما رفعت إسبانيا كأس العالم للمرة الأولى.

وبذلك أصبحت إسبانيا بطلة العالم للمرة الثانية، وأول منتخب يتوج بنسخة كأس العالم الجديدة التي شارك فيها 48 منتخبًا، وأقيمت خلالها 104 مباريات.