ليس كل من يغادر وطنه يهرب من الجغرافيا، فهناك من يهرب من لحظة تاريخية، ومن حكم الناس، ومن صورته التي تركها خلفه. لكن يبقى السؤال الأصعب: هل يستطيع الزمن أن يطوي الصفحة، أم أن الشعوب تحتفظ بذاكرتها مهما طال الغياب؟
بعد أكثر من أربعة عشر عامًا، يعود يوسف بطرس غالي إلى مصر. يعود الرجل الذي كان أحد أبرز مهندسي السياسات الاقتصادية في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، والوزير الذي ارتبط اسمه بقرارات غيرت وجه الاقتصاد المصري، لكنها غيرت أيضًا حياة ملايين المصريين، بين من رأى فيها إصلاحًا ضروريًا، ومن عاش آثارها باعتبارها عبئًا اجتماعيًا واقتصاديًا.
خرج الرجل من مصر في الأيام العاصفة التي أعقبت ثورة يناير، بعد أن وجد نفسه في قلب عاصفة سياسية وقضائية. سنوات طويلة قضاها بعيدًا عن وطنه، بينما كانت المحاكم تنظر القضايا المنسوبة إليه. وفي النهاية، انتهى المسار القضائي بصدور أحكام البراءة في القضايا التي أُعيد نظرها، ليعود إلى مصر مواطنًا لا تطارده أحكام قضائية.
لكن القضاء يحسم المسؤولية القانونية، ولا يحسم بالضرورة الجدل السياسي أو الاقتصادي أو التاريخي.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
فالرجل لم يكن موظفًا عاديًا، بل كان أحد صناع القرار في مرحلة لا تزال آثارها ممتدة حتى اليوم. مرحلة شهدت معدلات نمو مرتفعة وأرقامًا اقتصادية لافتة، لكنها شهدت أيضًا اتساع الفجوة بين الطبقات، وشعور قطاعات واسعة من المصريين بأن ثمار النمو لم تصل إليهم.
ولذلك، فإن السؤال ليس: لماذا عاد يوسف بطرس غالي؟
السؤال الأهم: لماذا عاد النقاش حول يوسف بطرس غالي؟
لأن مصر تمر اليوم بواحدة من أصعب مراحلها الاقتصادية، ولأن كل أزمة تعيد فتح ملفات الماضي، بحثًا عن إجابات ربما لم نجدها من قبل. البعض يرى أن الرجل كان يمتلك رؤية اقتصادية تستحق الاستماع إليها، والبعض الآخر يرى أن العودة لا تمحو مسؤولية تاريخية عن سياسات كانت أحد أسباب الاحتقان الذي سبق يناير.
وربما يكون الفريقان على حق... كلٌ من زاويته.
لكن المؤكد أن الثمن كان غاليًا.
غالي على يوسف بطرس غالي الذي دفع سنوات طويلة من عمره بعيدًا عن وطنه.
وغالي على الدولة التي فقدت أحد أبرز خبرائها الاقتصاديين، سواء اتفقنا معه أو اختلفنا.
وغالي على المصريين الذين ما زالوا، حتى اليوم، يدفعون ثمن أزمات اقتصادية متراكمة، بدأت قبل سنوات طويلة، وتعاقبت عليها حكومات وسياسات مختلفة.
لا أكتب هذا المقال دفاعًا عن الرجل، ولا إدانة له، فالتاريخ لا يُكتب بالعاطفة، ولا تُبنى الدول بالرغبة في الانتقام أو بتقديس الأشخاص.
لكنني أؤمن أن الأمم القوية لا تخشى مراجعة تجاربها، ولا تتردد في طرح الأسئلة الصعبة.
هل أخطأ يوسف بطرس غالي؟
بالتأكيد، فلا يوجد مسؤول لا يخطئ.
وهل أصاب في بعض ما طرحه من رؤى اقتصادية؟
ربما... وهذا ما يستحق النقاش.
أما الحقيقة التي لا يختلف عليها اثنان، فهي أن الثمن كان غاليًا... على الجميع.
ب
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض