يوسف الفار الرئيس التنفيذى والمؤسس لمجموعة نعيم القابضة للاستثمارات:
البورصة بوابة القطاع الخاص نحو النمو
80 ألف نقطة مستهدف المؤشر الرئيسى للبورصة عام 2027
كم من إنسان أحاطته التحديات من كل جانب، لكنه اختار أن يبتسم، وكم من طريقٍ بدا مستحيلًا فى أعين الآخرين، فإذا بالإصرار يحوله إلى حكاية نجاح تروى للأجيال، أولئك الذين أدركوا أن الحياة لا تمنح أجمل ما فيها إلا لمن يملك الشجاعة على الاستمرار.. وكذلك محدثى إيمانه أن الأحلام الكبيرة لا تتحول إلى واقع إلا عندما تمتزج بالرؤية الواضحة، والإيمان الراسخ بالقدرة على تجاوز المستحيل.
إصرار على أن تجعل من حياتك قصة تستحق أن تحكى، عنوانها العزيمة، وفصولها النجاح، وعلى هذا الأساس كانت مسيرته منذ الصبا.
يوسف الفار الرئيس التنفيذى والمؤسس لمجموعة نعيم القابضة للاستثمارات.. يواجه العواصف دون أن يفقد بوصلته، قناعته أن القمة لا تُفتح أبوابها إلا لمن طرقها ألف مرة دون يأس، لا ينتظر الفرص بل يصنعها، وهو ما يمنحه التميز.
فى ذلك المبنى الزجاجى الذى تتعانق فيه الزوايا الهندسية مع روح الإلهام، وتحتضنه مساحات خضراء تنبض بالحياة.. فى الطابق الثالث، وعند المدخل الرئيسى، لا يبدو المكان مجرد مقر للعمل، بل عالم صُمم ليوقظ الشغف ويطلق العنان للأفكار.
ممر ضيق تصطف على جانبيه الغرف فى هدوء يكاد يُسمع، وكأن الصمت ذاته أصبح جزءًا من ثقافة المكان.. فى نهاية الممر، تقف غرفة مختلفة؛ غرفة لا تشبه سواها، ليس لأنها تصدر القرارات، بل لأنها تحتضن ولادتها، تتحول فيها الأفكار إلى استراتيجيات، والاستراتيجيات إلى نجاحات ترسم ملامح البيزنس لسنوات قادمة.
على المكتب، تتناثر قصاصات ورقية لا تحمل تفاصيل يوم عابر أو جدول أعمال تقليدى، بل تختزن بين طياتها خرائط للمستقبل، وأحلامًا تحولت إلى أهداف، وأهدافًا أصبحت واقعًا. إنها صفحات تحكى قصة رحلة طويلة؛ محطات من التحديات، ودروس من التجارب، وخطوات رُسمت بعناية، وسار صاحبها فى دروبها بثبات حتى بلغ القمة.
بين تلك السطور، تتجلى حقيقة لا يدركها إلا أصحاب التجارب العميقة؛ أن القوة الحقيقية ليست فى الضجيج، بل فى ذلك الهدوء، فالرِّضا ليس مجرد شعور عابر، بل هو كنز ثمين؛ من امتلكه، امتلك راحة القلب وصفاء الفكر، وهما الوقود الخفى الذى يصنع أعظم الإنجازات، ويمنح أصحابها القدرة على مواصلة الصعود، مهما بلغت القمم ارتفاعًا.
يتحدث بتفاؤل يستند إلى رؤية، يقرأ المشهد بعينٍ موضوعية، ويزن التفاصيل بميزانٍ دقيق.. يقول: «إن المشهد الاقتصادى فى مصر خلال عام 2025 وحتى مطلع عام 2026 كان يحمل العديد من المؤشرات التى تدعو إلى التفاؤل؛ فقد شهد الاقتصاد الوطنى تحسنًا ملحوظًا على عدة مستويات، يتقدمها نمو الاحتياطى النقدى الأجنبى، وانحسار معدلات التضخم، إلى جانب تراجع عجز ميزان المدفوعات، وهى عوامل مجتمعة مهّدت الطريق أمام البنك المركزى لتبنى سياسة التيسير النقدى وخفض أسعار الفائدة، مستفيدًا من ارتفاع معدلات الفائدة الحقيقية، قبل أن يتجه مؤخرًا إلى سياسة التثبيت فى ضوء المستجدات».
يستطرد قائلا: «لم يقتصر هذا التفاؤل على الداخل فحسب، بل امتد إلى المستثمرين الأجانب الذين وجدوا فى السوق المصرية واحدة من أكثر الوجهات الاستثمارية جاذبية على مستوى الأسواق الناشئة، سواء فيما يتعلق بأدوات الدين الحكومية أو سوق الأسهم، مدعومًا بتوصيات إيجابية صادرة عن مؤسسات مالية واستثمارية عالمية، عززت من ثقة المستثمرين فى قدرة الاقتصاد المصرى على مواصلة مسار التعافى والنمو».
* لكن مع تصاعد التوترات الجيوسياسية مطلع عام 2026، بدا وكأن موجة التفاؤل التى أحاطت بالمشهد الاقتصادى بدأت تتراجع، لتحل محلها تساؤلات حول ما إذا كانت هذه التطورات قد أعادت رسم خريطة الاقتصاد من جديد.. فكيف تنظرون إلى ذلك؟
بثقة المعتاد على قراءة المشهد من زواياه كافة، يجيبنى قائلا إن «ما حدث لا يمكن وصفه بإعادة رسم للخريطة الاقتصادية، بقدر ما هو حالة من التباطؤ المؤقت فرضتها متغيرات خارجية».
يتابع قائلاً: «التوترات الجيوسياسية ألقت بظلالها على الاقتصاد العالمى بأسره، وكان من الطبيعى أن تمتد آثارها إلى الداخل، خاصة مع ارتفاع أسعار النفط عالميًا، وما ترتب على ذلك من زيادة الضغوط على موارد النقد الأجنبى لتلبية احتياجات السوق المحلية من المنتجات البترولية. ومع انتقال هذه الضغوط إلى الداخل، تحركت أسعار المحروقات انعكست بدورها على معدلات التضخم، وهو ما فرض تحديات إضافية أمام استمرار دورة التيسير النقدى التى كانت قد بدأت تؤتى ثمارها».
ويضيف: «ورغم هذه التحديات، فإن مؤشرات التفاؤل لم تغب عن المشهد. فالاقتصاد المصرى أثبت خلال السنوات الماضية قدرته على امتصاص الصدمات والتكيف مع المتغيرات. ومع انحسار حدة التوترات الجيوسياسية وتراجع أسعار النفط، تظل الفرصة قائمة لاستعادة زخم النمو واستكمال مسار الإصلاح، بما يعزز من قوة الاقتصاد الوطنى وقدرته على مواصلة تحقيق معدلات أداء إيجابية خلال المرحلة المقبلة».
رؤية أكثر عمقًا حين ينتقل للحديث عن كيفية إدارة الحكومة للمشهد الاقتصادى فى ظل عاصفة التوترات الجيوسياسية.. لا ينظر إلى الأحداث باعتبارها مجرد أرقام أو مؤشرات عابرة، بل يقرأها باعتبارها اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على التكيف وإدارة الأزمات.. يقول إن الحكومة «نجحت فى التعامل مع ملف سعر الصرف بدرجة كبيرة من المرونة، وهو ما يعكس تطورًا واضحًا فى آليات إدارة الأزمات مقارنة بما شهدناه خلال السنوات الماضية. فسرعة الاستجابة، والقدرة على احتواء الضغوط، وانتهاج سياسات أكثر مرونة، كانت عوامل رئيسية أسهمت فى الحد من تداعيات الأزمة، وأكدت أن الاقتصاد المصرى أصبح أكثر قدرة على التعامل مع المتغيرات المفاجئة».
يضيف أن: «الأزمات تحمل دائمًا دروسًا يجب التوقف أمامها، ومن بينها أهمية العمل على تعزيز المخزون الاستراتيجى من المنتجات البترولية، بما يسهم فى تقليل الضغوط خلال الفترات الاستثنائية، ويمنح صانع القرار مساحة أوسع للتحرك فى مواجهة التقلبات العالمية».
إيمانه الراسخ بأن المعرفة هى القوة الحقيقية التى تصنع الفارق ينعكس بوضوح فى قراءته للتحديات الداخلية؛ فهو لا يراها مصدرًا للقلق بقدر ما يراها جزءًا طبيعيًا من دورة الاقتصاد فى مختلف دول العالم. ويؤكد أن الفارق الحقيقى لا يكمن فى وجود التحديات، وإنما فى كيفية التعامل معها وإدارتها.
يتابع قائلاً أن: «ارتفاع معدلات التضخم، وتكاليف الطاقة، وأعباء الديون، ليست تحديات مصرية خالصة، بل هى ملفات تتعامل معها كبرى اقتصاديات العالم. وما يحدد حجم تأثيرها هو قدرة كل دولة على توظيف أدواتها واستغلال عناصر قوتها».
* وما نقاط القوة الحقيقية التى يستند إليها الاقتصاد الوطنى؟
لحظات صمت تسود وكأنه يعيد ترتيب المشهد بأكمله فى ذهنه، ليجيبنى قائلا: «إذا أردت أن تبحث عن محركات النمو الحقيقية، فعليك أن تبدأ بالسياحة، حيث أحد أهم أعمدة الاقتصاد المصرى، ليس فقط لما يوفره من تدفقات دولارية، ولكن لقدرته على خلق فرص العمل وتحريك عشرات الأنشطة المرتبطة به. وما نشهده من اهتمام متزايد بهذا القطاع يعكس إدراكًا حقيقيًا لأهميته فى تعزيز مسار النمو الاقتصادى».
ولا يتوقف عند السياحة، بل ينتقل إلى القطاع الصناعى، الذى يراه قصة نجاح، حيث حظيت الصناعة خلال الفترة الأخيرة باهتمام غير مسبوق، ليس من خلال الدعم المالى المباشر، وإنما عبر حزم تحفيزية وتيسيرات تستهدف إزالة العقبات أمام المستثمرين، سواء من خلال تسهيل الحصول على الأراضى، أو تقديم الحوافز والإعفاءات الضريبية عند الحاجة، بما يساهم فى تحقيق المستهدفات التنموية وتعزيز القدرة الإنتاجية.
حصيلة سنوات طويلة من التجارب جعلت نظرته إلى الاقتصاد أكثر اتزانًا وعمقًا. وحين يتحدث عن المستقبل، يبدو أكثر تفاؤلًا، مؤمنًا بأن ما فرضته التوترات الجيوسياسية لم يكن سوى حدث عابر، وأن المؤشرات بدأت بالفعل فى استعادة مسارها الطبيعى، حيث تشير إلى أن الاقتصاد المصرى يستعيد تدريجيًا الزخم الذى كان عليه قبل موجة التوترات الجيوسياسية، وهو ما يعزز فرص تحقيق معدلات نمو أكثر قوة خلال المرحلة المقبلة».
دائما يبحث عن القيمة المضافة، التى يراها فى السياسة النقدية التى لعبت دورًا محوريًا فى تحقيق الاستقرار الاقتصادى، رغم تحفظه على تأخر وتيرة التيسير النقدى فى بداية عام 2025. ويضيف: «ربما كانت لدى السياسة النقدية مبرراتها فى التعامل بحذر مع خفض أسعار الفائدة، لكن الأهم هو توجيه هذا المسار لدعم القطاعات القادرة على توفير النقد الأجنبى، وفى مقدمتها السياحة، والإنتاج، والتصنيع، والتصدير».
وقبل أن يكتمل السؤال الذى دار فى ذهنى حول الأموال الساخنة وإمكانية تحولها إلى استثمارات مباشرة، سبقنى بالإجابة، وكأنه اعتاد قراءة ما بين السطور، قائلاً: «الاقتصاد المستقر يمتلك قدرة استثنائية على تغيير طبيعة رؤوس الأموال؛ فما يُعرف بالأموال الساخنة يمكن أن يتحول إلى استثمارات طويلة الأجل عندما تتوافر الثقة، والاستقرار، والرؤية الواضحة».
أما عن السياسة المالية، فتتجلى بساطته فى قدرته على اختزال الملفات المعقدة فى معادلات واضحة. فهو يرى أن استئناف دورة التيسير النقدى وخفض أسعار الفائدة إلى مستويات تتراوح بين 8% و10% من شأنه أن يخفف الأعباء التمويلية، ويفتح الباب أمام توسع أكبر فى المشروعات والاستثمارات، عندما تنخفض تكلفة التمويل، تتوسع الشركات، وتزداد الاستثمارات».
* كيف ترى مستقبل الاستثمار الأجنبى المباشر بالسوق المحلى؟
< ساد المكان شىء من الصمت، وكأنه يعيد ترتيب ملامح المشهد فى ذهنه يقول إن «الاستثمار يبحث دائمًا عن الاستقرار والوضوح والالتزام. وجميع دول العالم تتنافس اليوم على جذب رؤوس الأموال عبر تقديم حزم تحفيزية وتيسيرات تتناسب مع طبيعة كل اقتصاد، ومصر ليست استثناءً من ذلك».
ويضيف: «على الحكومة أن تواصل تعزيز البيئة الاستثمارية، ليس فقط عبر الحوافز، وإنما من خلال الالتزام الكامل بالاتفاقيات والتعاقدات المبرمة مع المستثمرين. فالثقة هى العملة الأهم فى عالم الاستثمار، وعندما يشعر المستثمر بأن تعهدات الدولة محل احترام، تصبح عملية جذب رؤوس الأموال أكثر سهولة واستدامة».
ويتوقف قليلًا قبل أن يؤكد على نقطة يعتبرها حجر الأساس فى المعادلة الاستثمارية، قائلاً: إن «المستثمر المحلى هو اللاعب المحورى فى جذب الاستثمارات الأجنبية. فعندما يرى المستثمر الأجنبى أن أبناء الدولة يوسعون استثماراتهم ويضخون مزيدًا من الأموال، فإن ذلك يمثل رسالة ثقة أقوى من أى حملة ترويجية».
ويتابع: «المطلوب هو سياسة استثمارية أكثر مرونة، قائمة على التيسير وإزالة العقبات، مع التركيز على القطاعات القادرة على تحقيق قيمة مضافة حقيقية، وفى مقدمتها السياحة والصناعة، لما تمتلكانه من قدرة على دعم النمو الاقتصادى، وتوفير فرص العمل، وتعزيز التدفقات الدولارية».
وفى جعبته الكثير من الحكايات المرتبطة بهذا الملف.. يقول إن «التوسع فى دور القطاع الخاص يجب أن يكون خيارًا استراتيجيًا، والبورصة تمثل إحدى أهم الأدوات لتحقيق ذلك، من خلال توفير التمويل اللازم للشركات، وتعزيز مستويات الإفصاح والحوكمة، وترسيخ مبادئ العدالة التنافسية».
أما رؤيته للمرحلة المقبلة، فتقوم على استكمال برنامج الطروحات الحكومية، والعمل على طرح المزيد من الشركات المملوكة للدولة فى سوق الأوراق المالية، بما يسهم فى توسيع قاعدة الملكية، وزيادة عمق السوق، وجذب شرائح جديدة من المستثمرين.
يتحقق النجاح حين تمتزج المعرفة بالتجربة، وتلتقى الرؤية بالخبرة. قناعته أن ما ينتظر البورصة خلال السنوات المقبلة يفوق ما حققته خلال العقود الماضية، حيث تمتلك فرصًا استثنائية للنمو، متوقعًا أن يصل المؤشر الرئيسى EGX30 إلى مستوى يتراوح بين 70 ألف نقطة إلى 80 ألف نقطة خلال عام 2027، مدعومًا باستمرار برنامج الطروحات الحكومية، الذى من شأنه زيادة القيمة السوقية، وتعزيز عمق السوق، وجذب شرائح جديدة من المستثمرين المحليين والأجانب.
رؤيته لا تتوقف عند المؤشرات والأرقام، بل تمتد إلى الأدوات الاستثمارية التى يرى أنها ستقود المرحلة المقبلة. ويضع الصناديق العقارية فى مقدمة هذه الأدوات، معتبرًا أنها واحدة من أكثر النماذج الاستثمارية نجاحًا وقدرة على جذب رؤوس الأموال.
ويضيف أن «الصناديق العقارية تستحوذ على اهتمام متزايد من المستثمرين، ويمكن تقسيمها إلى صناديق قائمة على العوائد، وهى تمتلك إطارًا تنظيميًا واضحًا، وإن كانت بحاجة إلى إعادة النظر فى بعض الجوانب المتعلقة بالمعاملة الضريبية للتقييمات، إلى جانب صناديق تطوير العقار، التى تتطلب قواعد أكثر وضوحًا ومرونة تسمح لها بالنمو والتوسع، بما يتناسب مع حجم الفرص المتاحة فى السوق المصرية».
التعلم المستمر كان ولا يزال سر تميزه. فكل نجاح يحققه يدفعه للبحث عن نجاح جديد، وكل محطة يصل إليها تصبح نقطة انطلاق نحو محطة أخرى. لذلك، تبدو طموحاته أكبر من حدود الحاضر، وهو ما يتجسد فى جهوده المتواصلة مع مجلس إدارة المجموعة لتعزيز مسارات النمو، والتوسع فى القطاعات الاستثمارية الواعدة، حيث تتوزع هذه الجهود بين إدارة الأصول، والأنشطة المالية غير المصرفية، والقطاع العقارى، إلى جانب العمل على توسيع نشاط الصناديق العقارية، انطلاقًا من إيمان عميق بأن التنوع هو أحد أهم مفاتيح الاستدامة والنجاح.
إيمانه أن السعادة قرار وليست إحساسا يمنحه هدوء كبير، وهو ما ينصح به أولاده.. لكن يظل شغله الشاغل الحفاظ على ريادة المجموعة.. فهل يستطيع ذلك؟
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض