فايزة خطاب: بناء منظومة لوجستية مرنة خط الدفاع الأول عن أمن مصر الاقتصادي
فرضت التطورات الجيوسياسية المتسارعة، وتحديداً اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر، ضرورة ملحة لإعادة تقييم استراتيجيات التجارة الخارجية، حيث أصبح النقل اللوجستي ركيزة جوهرية للأمن القومي الاقتصادي لأي دولة تسعى لتعزيز صمودها في وجه الأزمات الدولية.
كما تكشف هذه الاضطرابات عن مدى هشاشة سلاسل الإمداد التقليدية، مما يؤكد أن الاعتماد المفرط على مسار ملاحي واحد يضاعف المخاطر، ويفرض على الدول البحث عن خيارات أكثر مرونة واستدامة لضمان تدفق الصادرات وتأمين الأسواق في كافة الظروف.
وتمثل إعادة رسم خريطة الصادرات المصرية تحدياً استراتيجياً يتجاوز مجرد فتح أسواق جديدة، إذ يتطلب هيكلة شاملة للمنظومة اللوجستية لضمان استمرارية الحركة التجارية، ودمج أنماط النقل المختلفة لتعزيز القدرة على التكيف مع التغيرات السريعة في بيئة الأعمال العالمية.
وفي ذات السياق، تؤكد د. فايزة خطاب، الباحثة في الدراسات الاستراتيجية والاقتصاد السياسي الدولي، أن التجارب الاقتصادية الدولية تثبت أن الدول التي تنجح في تنويع مسارات النقل وربطها بالمراكز الصناعية والموانئ هي الأكثر قدرة على الصمود، مما يجعل الاستثمار في بنية لوجستية متكاملة ضرورة استراتيجية.
وقالت خطاب في تصريحات خاصة لـ الوفد : "تمتلك مصر اليوم مقومات قوية تؤهلها لبناء واحدة من أهم المنظومات اللوجستية في المنطقة، وذلك نتيجة الاستثمارات الضخمة التي نفذتها الدولة خلال السنوات الأخيرة في قطاع النقل والبنية الأساسية، مما يمنحها ميزة تنافسية كبرى".
وأشارت إلى أن الموانئ البحرية شهدت عمليات تطوير شاملة لرفع الطاقة الاستيعابية وتحسين كفاءة التشغيل، وإنشاء أرصفة ومحطات تداول حديثة، إلى جانب إنشاء موانئ جافة ومناطق لوجستية جديدة، والتوسع في شبكة الطرق والمحاور القومية لربطها بالمناطق الصناعية.
كما شددت على أن الدولة تولي اهتمامًا كبيرًا بالتحول الرقمي، من خلال تطبيق منظومة التسجيل المسبق للشحنات ACI، وتطوير المنظومة الجمركية، وإطلاق منصات رقمية لتيسير التجارة الخارجية، وهو ما انعكس بشكل إيجابي على تحسين بيئة الاستثمار والتجارة في البلاد.
وأضافت: "يبرز دور المنطقة الاقتصادية لقناة السويس كأحد أهم المشروعات الاستراتيجية، حيث تحولت إلى منصة صناعية ولوجستية متكاملة، تضم موانئ عالمية ومناطق صناعية واستطاعت جذب استثمارات محلية وأجنبية كبيرة في قطاعات متنوعة مثل الصناعات الهندسية والطاقة المتجددة".
وأوضحت أن المرحلة المقبلة تتطلب تعظيم الاستفادة من هذه البنية المتطورة، وزيادة التكامل بين جميع أنماط النقل، والتوسع في خدمات النقل متعدد الوسائط، وتعزيز الربط مع الأسواق الإفريقية والعربية، بما يقلل من تأثير أي اضطرابات قد تصيب حركة التجارة الدولية.
وأوضحت أن الأولويات الاستراتيجية تتضمن تنويع الأسواق التصديرية من خلال التوسع في الأسواق الإفريقية والآسيوية وأمريكا اللاتينية، وعدم الاعتماد على عدد محدود من الأسواق التقليدية، مع تعظيم الاستفادة من اتفاقيات التجارة الحرة التي ترتبط بها مصر مع مختلف الدول.
وتشمل الخطوات المطلوبة استكمال تطوير المنظومة اللوجستية، والتحول الرقمي عبر التوسع في رقمنة الخدمات الجمركية، واستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات في إدارة سلاسل الإمداد، مما يرفع كفاءة الأداء ويقلل زمن الإفراج الجمركي.
وقالت: "تهدف هذه الرؤية إلى رفع تنافسية المنتج المصري عبر تحسين الجودة، وزيادة القيمة المضافة، وتطوير منظومة التعبئة والتغليف وفقًا للمعايير الدولية، وتعزيز الشراكات الدولية مع كبرى شركات النقل والخدمات اللوجستية لنقل التكنولوجيا والخبرات".
وتابعت: "يمكن لوزارة الاستثمار والتجارة الخارجية أن تقوم بدور محوري من خلال جذب استثمارات جديدة لإنشاء مراكز لوجستية وموانئ جافة ومستودعات حديثة، وتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في خدمات النقل وسلاسل الإمداد، وتقديم حوافز للمشروعات الصناعية الموجهة للتصدير".
كما أكدت أن اللوجستيات تمثل اليوم أحد عناصر القوة الشاملة للدولة من منظور العلاقات الدولية، حيث امتد التنافس الدولي إلى السيطرة على سلاسل الإمداد العالمية، والممرات التجارية، والمراكز الصناعية، وهو ما يضع مصر أمام تحدٍ وفرصة في آن واحد.
واختتمت تصريحاتها قائلة إن ما يشهده النظام الدولي من اضطرابات يمثل فرصة استراتيجية أمام مصر لإعادة صياغة دورها في التجارة العالمية، عبر استثمار مقوماتها بكفاءة لتعزيز التكامل بين النقل والصناعة والاستثمار، بما يضمن تحولها لمركز عالمي للإنتاج وسلاسل الإمداد.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض