الراوى
«ليست كل الحكايات للتسلية… بعضها مرآة، نرى فيها ما لا نحب أن نراه».
ليس أخطر على الأمم من الجهل، إلا أن يرتدى الجهل ثوب العلم. وليس أشد قسوة من باحثٍ لم ينل حقه، إلا جاهلٍ صعد إلى منصة الاستحقاق لأن أحدهم قرر أن يجامل، أو يحابى، أو يرد جميلًا على حساب الحقيقة؛ فالمجاملة فى العلاقات الإنسانية قد تُكسب ودًا عابرًا، لكنها فى ميادين العلم تُفقد الأوطان مستقبلها، وتزرع فى جسد المؤسسات سمًّا بطيءَ المفعول، لا يظهر أثره فى يوم أو عام، بل فى أجيال كاملة.
العلم هو المؤسسة الوحيدة التى لا يجوز أن تُدار بالعواطف؛ فلا القرابة تصلح معيارًا، ولا الصداقة تُقيم بحثًا، ولا المكانة الاجتماعية تمنح عقلًا إضافيًا. والحقيقة العلمية لا تُولد فى المجالس الخاصة، ولا تُكتب بأقلام المجاملين، وإنما تُنتزع من تعب الباحثين، ومن ليالٍ طويلة دفعوا فيها أعمارهم ثمنًا لكل فكرة صحيحة.
وحين تمتد يد المحاباة إلى الجامعة، فإنها لا تسرق درجة علمية فحسب، بل تسرق الإيمان بالعدالة. فالطالب المجتهد الذى يرى التقدير يُمنح لغير مستحقه، يتعلم درسًا أخطر من أى منهج دراسي؛ وهو أن التفوق لا تصنعه الكفاءة، وإنما تصنعه العلاقات. والباحث الذى يُستبعد لأن غيره أكثر قربًا من أصحاب القرار، لا يخسر فرصة فقط؛ بل يخسر ثقته فى المؤسسة التى كان ينبغى أن تحمى العدالة لا أن تهدمها.
ولعل أكثر ما يوجع فى المجاملة العلمية أنها تبدو للبعض فعلًا بسيطًا؛ توقيعًا هنا، أو توصية هناك، أو غضَّ طرْف عن خطأ واضح، أو رفعَ درجة إكرامًا لاسم أو منصب. لكنها فى حقيقتها سلسلة متصلة، تبدأ بمجاملة صغيرة، وتنتهى بكارثة كبيرة، فكل غير مستحق يتقدم خطوة، يتراجع مستحق خطوة إلى الخلف، حتى يصبح المشهد مقلوبًا؛ أصحاب العقول فى الظل، وأصحاب العلاقات فى الصدارة.
والعلم لا ينتقم، لكنه يكشف الحقيقة مع الزمن؛ فالطبيب الذى عبر بوابة المجاملة، سيدفع المرضى ثمن ضعفه. والمهندس الذى لم يُختبر بصدق، قد تتحول أخطاؤه إلى أرواح تحت الأنقاض. والمعلم الذى نال مؤهله بالمحاباة، سيعيد إنتاج الضعف فى آلاف العقول. والإعلامى الذى لم يتأسس على معرفة حقيقية، سيصنع رأيًا عامًا مضللًا. وهكذا تصبح مجاملة فرد واحد قضية مجتمع بأكمله.
إن أخلاق العالِم لا تُقاس بعدد أبحاثه فقط؛ بل بقدرته على مقاومة الإغراء حين يجلس فى موضع القرار؛ فالعدل فى تقييم طالب، أو النزاهة فى مناقشة رسالة، أو الإنصاف فى ترقية باحث، ليست إجراءات إدارية جامدة، بل هى مواقف أخلاقية تُكتب فى سجل الضمير قبل أن تُكتب فى محاضر اللجان.
ولذلك، فإن الأمم التى احترمت العلم لم تكن تمتلك دائمًا الموارد الأكبر، لكنها امتلكت الشجاعة لتقول للمجتهد: تقدم، وللمقصر: أعد المحاولة، وللمجامل: قف، فهنا تبدأ حدود الوطن. لأن الجامعة التى تُدار بالمحاباة لا تُخرج علماء، وإنما تُخرج ألقابًا فارغة، والألقاب لا تبنى حضارة، ولا تصنع دواءً، ولا تبتكر اختراعًا، ولا تحمى مستقبلًا.
إن أخطر ما يمكن أن نتركه للأجيال القادمة ليس نقص الإمكانات؛ بل انهيار قيمة الاستحقاق، فإذا فقد الناس ثقتهم فى عدالة العلم، فقدوا إيمانهم بأن العمل الجاد له ثمرة، وعندها يصبح الإبداع رفاهية، والهجرة حلمًا، والتميز مغامرة خاسرة.
لهذا، فإن معركة المؤسسات العلمية الحقيقية ليست ضد قلة الإمكانات، بل ضد كل يدٍ تحاول أن تُرجح كفة الهوى على ميزان الحق. ومن ثم فالعلم لا يحتاج إلى مجاملين، بل إلى أمناء. ولا يطلب أصحاب النفوذ، بل أصحاب الضمائر؛ لأن الحقيقة تبقى دائمًا أكبر من الأشخاص، وأبقى من المناصب، وأخلد من كل مجاملة عابرة!
أستاذ الإعلام بكلية الآداب - جامعة المنصورة
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض