يبتلع المياه والكهرباء:
الذكاء الاصطناعى يلتهم موارد الكوكب
حرب خفية على المياه العذبة خلف تطبيقات الدردشة وتوليد الصور
خبراء: البصمة المائية أخطر من المتوقع.. والعالم غير مستعد لدفع الفاتورة البيئية
6,6 مليار متر مكعب من المياه سنويًا تستهلكها مراكز البيانات العملاقة.. والعالم على شفا أزمة مائية
بينما يحتفى العالم بالطفرة غير المسبوقة فى تقنيات الذكاء الاصطناعى، ويتسابق الأفراد والشركات والحكومات إلى توظيفها فى مختلف مجالات الحياة، يبرز على الجانب الآخر تحدٍ بيئى جديد بدأ يفرض نفسه بقوة، لكنه لا يزال بعيدًا عن دائرة الاهتمام العام. فخلف كل سؤال يُطرح على تطبيقات الذكاء الاصطناعى، وخلف كل صورة أو مقطع فيديو يتم إنشاؤه، تعمل مراكز بيانات عملاقة تستهلك كميات هائلة من الكهرباء والمياه للحفاظ على تشغيل ملايين الخوادم على مدار الساعة.
ومع التوسع المتسارع فى إنشاء مراكز البيانات حول العالم، تتزايد المخاوف بشأن البصمة المائية للذكاء الاصطناعى، خاصة فى ظل تصاعد أزمة ندرة المياه عالميًا، والتغيرات المناخية، والضغوط المتزايدة على الموارد الطبيعية.
فى هذا التحقيق، ترصد «الوفد» أبعاد القضية من منظور علمى وبيئى، وتستعرض آراء الخبراء حول حجم استهلاك مراكز البيانات للمياه والطاقة، ومدى دقة الأرقام المتداولة بشأن البصمة المائية لتطبيقات الذكاء الاصطناعى، وأبرز الحلول المقترحة لتحقيق التوازن بين الابتكار التكنولوجى والحفاظ على الموارد الطبيعية.
وفى هذا السياق أكد المهندس محمود فرج، خبير أمن المعلومات وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعى، أن التوسع المتسارع فى استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعى يفرض تحديات بيئية متزايدة، فى مقدمتها ارتفاع استهلاك الطاقة والمياه اللازمة لتشغيل وتبريد مراكز البيانات، مشددًا على ضرورة تبنى حلول مبتكرة تضمن استدامة هذه التقنيات خلال السنوات المقبلة.
وأوضح فرج فى حديثه لـ«الوفد»، أن تطبيقات الذكاء الاصطناعى، مثل ChatGPT وغيرها، تعتمد على مراكز بيانات تضم آلاف الخوادم التى تعمل على مدار الساعة لمعالجة ملايين الطلبات اليومية، سواء من الأفراد أو المؤسسات، وهو ما يتطلب قدرات حوسبة هائلة واستهلاكًا مرتفعًا للطاقة الكهربائية.
وأضاف أن كل استفسار يرسله المستخدم يمر بعدة مراحل من تحليل البيانات والبحث داخل قواعد بيانات ضخمة واختيار الإجابة المناسبة، وهى عمليات حسابية معقدة تتطلب تشغيلًا مستمرًا لوحدات المعالجة، الأمر الذى يؤدى إلى توليد كميات كبيرة من الحرارة تستلزم أنظمة تبريد متطورة.
وفيما يتعلق بالتقارير التى تشير إلى أن طلبًا واحدًا عبر ChatGPT قد يستهلك نحو نصف لتر من المياه، أوضح فرج أن هذه الأرقام تحتاج إلى توضيح علمى، مؤكدًا أنها لا تنطبق على جميع الطلبات، وأن حجم الاستهلاك يعتمد على طبيعة السؤال وعدد التوكنات (Tokens) المستخدمة فى معالجته.
وأشار إلى أن الدراسات الأكاديمية تشير إلى أن معالجة نحو 1000 توكن قد تستهلك فى المتوسط 3,6 ملليلتر من المياه فى بعض النماذج، بينما ترتفع الكمية فى الطلبات المعقدة التى تتطلب عمليات تفكير وتحليل أعمق، مثل إنشاء الأكواد البرمجية أو إنتاج المحتوى المتقدم أو الفيديوهات.
وأوضح أن زيادة عدد التوكنات تعنى استهلاكًا أكبر للطاقة، ومن ثم زيادة الحاجة إلى التبريد، وهو ما ينعكس مباشرة على حجم استهلاك المياه داخل مراكز البيانات.
وأكد خبير أمن المعلومات أن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط فى استهلاك المياه، وإنما فى اعتماد معظم مراكز البيانات على المياه العذبة لتبريد الخوادم، فى وقت يواجه فيه العالم تحديات متزايدة تتعلق بندرة المياه والتغيرات المناخية.
وأوضح أن استخدام مياه البحر مباشرة فى أنظمة التبريد لا يمثل حلًا عمليًا، نظرًا لما تسببه الأملاح من ترسبات وتآكل للمعدات وخطوط التبريد، ما يقلل من كفاءة التشغيل ويرفع تكاليف الصيانة.
وأضاف أن بعض الدول، مثل الصين، بدأت فى تنفيذ تجارب لإنشاء مراكز بيانات تحت سطح البحر للاستفادة من مياه المحيطات فى عمليات التبريد، إلا أن هذه الحلول لا تزال محدودة وتتطلب استثمارات ضخمة.
استهلاك الطاقة
وأشار فرج إلى أن التقديرات الدولية تشير إلى أن استهلاك مراكز بيانات الذكاء الاصطناعى للمياه قد يصل بحلول عامى 2026 و2027 إلى ما بين 4,2 و6,6 مليار متر مكعب سنويًا، فى حين قد يبلغ استهلاك الكهرباء نحو 945 تيراواط/ساعة بحلول عام 2030، وهو ما يعكس حجم التحديات البيئية المرتبطة بالتوسع فى تقنيات الذكاء الاصطناعى.
وأكد أن هذه المؤشرات تستدعى إدراج البصمة المائية للذكاء الاصطناعى ضمن معايير الاستدامة البيئية، تمامًا كما يتم قياس الانبعاثات الكربونية، بما يضمن تحقيق التوازن بين التطور التكنولوجى والحفاظ على الموارد الطبيعية.
وأوضح فرج أن النماذج الحديثة أصبحت أكثر كفاءة فى استهلاك الموارد مقارنة بالأجيال السابقة، إلا أن ذلك لا يعنى انخفاض الاستهلاك بشكل مطلق، إذ يعتمد الأمر على طبيعة المهمة المطلوبة.

استغلال الطاقة
وطرح المهندس محمود فرج مقترحًا لتقليل البصمة المائية لمراكز البيانات، يتمثل فى استغلال الطاقة الحرارية الناتجة عن تشغيل الخوادم فى تحلية مياه البحر، بحيث يتم إنتاج مياه عذبة يمكن إعادة استخدامها فى عمليات التبريد.
وأوضح أن هذا الحل يحقق عدة أهداف فى وقت واحد، أبرزها الاستفادة من الحرارة المهدرة، وتقليل الاعتماد على المياه العذبة، وتعزيز استدامة تشغيل مراكز البيانات، فضلًا عن دعم جهود مواجهة ندرة المياه، خاصة فى الدول التى تعتمد بشكل متزايد على مشروعات تحلية مياه البحر.

تنامى البصمة البيئية
من ناحية أخرى حذر الدكتور مصطفى الشربينى، رئيس معهد الاستدامة والبصمة الكربونية واستشارى المناخ بالأمم المتحدة، من تنامى البصمة البيئية للذكاء الاصطناعى، مؤكدًا أن التوسع المتسارع فى استخدام تطبيقاته يفرض تحديات جديدة تتعلق باستهلاك المياه والطاقة، فى ظل الاعتماد المتزايد على مراكز البيانات العملاقة لتشغيل هذه التقنيات.
وقال «الشربينى» فى حديثه لـ«الوفد»، إن العالم يشهد طفرة غير مسبوقة فى تطبيقات الذكاء الاصطناعى، التى أصبحت عنصرًا أساسيًا فى القطاعات الاقتصادية والتعليمية والصناعية، إلا أن النقاش العام لا يزال يركز على الفوائد التقنية والاقتصادية، بينما يتم إغفال أحد أخطر التحديات البيئية، وهو البصمة المائية لمراكز البيانات.
وأضاف أن استدامة النمو فى قطاع الذكاء الاصطناعى لم تعد مرتبطة فقط بتوفير الطاقة، بل أصبحت تعتمد أيضًا على الإدارة الرشيدة للموارد المائية، بما يضمن استمرار التطور التكنولوجى دون الإضرار بالبيئة.
وأكد أن المسؤولية الأساسية فى خفض البصمة المائية للذكاء الاصطناعى تقع على عاتق شركات التكنولوجيا المطورة لهذه النماذج، باعتبارها صاحبة القرار الاستثمارى والتشغيلى. مشيرا إلى أنها مطالبة بتبنى حلول مبتكرة لرفع كفاءة التشغيل وتقليل الاعتماد على المياه.
تشريعات جديدة
وشدد الشربينى على أن الحكومات تتحمل مسؤولية موازية من خلال وضع أطر تنظيمية وتشريعات حديثة تلزم شركات التكنولوجيا بإدارة الموارد بكفاءة، خاصة فى الدول التى تواجه تحديات مائية متزايدة.
وأوضح أن الإفصاح البيئى يجب أن يصبح أحد الشروط الأساسية لتشغيل مراكز البيانات، بما يضمن تحقيق الشفافية وتعزيز المساءلة وتحسين الأداء البيئى.
وأكد أن إلزام شركات التكنولوجيا بالإعلان عن معدلات استهلاك المياه والطاقة لكل مركز بيانات لم يعد رفاهية تنظيمية، بل أصبح ضرورة استراتيجية فى ظل التوسع العالمى فى البنية التحتية الرقمية. ويتضمن هذا الإفصاح عن حجم استهلاك المياه، وكفاءة أنظمة التبريد، ونسبة إعادة استخدام المياه، ومصادر الطاقة المستخدمة، والانبعاثات الناتجة عن التشغيل
التكلفة البيئية
وأشار الشربينى إلى أن وتيرة التطور التكنولوجى أصبحت أسرع من قدرة التشريعات والسياسات البيئية على مواكبته، وهو ما يستدعى تسريع تحديث الأطر التنظيمية لضمان استدامة هذا النمو.
وأوضح أن مواجهة هذه التحديات لا تعنى إبطاء الابتكار أو الحد من تطور الذكاء الاصطناعى، وإنما توجيهه نحو مسار أكثر استدامة، من خلال تطوير أنظمة تبريد أكثر كفاءة، والاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، وتحسين كفاءة المعالجات والبنية التحتية الرقمية. ودعا رئيس معهد الاستدامة والبصمة الكربونية إلى إدراج البصمة المائية للذكاء الاصطناعى ضمن مؤشرات الاستدامة العالمية، على غرار الانبعاثات الكربونية، مؤكدًا أن المياه أصبحت موردًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن الطاقة والمناخ.

تحديات
والتقط أطراف الحديث الدكتور محمد طنطاوى، رئيس فرع جهاز شؤون البيئة فى أسيوط سابقًا، ورئيس جمعية حماية البيئة والتنمية، مؤكدا أن التوسع العالمى فى استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعى يفرض تحديًا بيئيًا جديدًا يتمثل فى ارتفاع البصمة المائية لمراكز البيانات، مشيرا إلى أن العالم لا يزال فى المراحل الأولى من انتشار الذكاء الاصطناعى، ومع ذلك فاستهلاك المياه مرشح للزيادة بصورة كبيرة مع التوسع فى إنشاء مراكز البيانات التى تعتمد على أنظمة تبريد مستمرة بسبب الحرارة المرتفعة التى تنتج عن تشغيل آلاف الخوادم على مدار الساعة.
وأوضح أن البصمة المائية للذكاء الاصطناعى لم تُدرج حتى الآن ضمن مؤشرات الاستدامة البيئية بالشكل الذى تُقاس به البصمة الكربونية، مشيرًا إلى أن الكربون يخضع لمعادلات علمية ثابتة تسهل قياسه ووضع خطط لخفضه، بينما لا تزال البصمة المائية تختلف من مركز بيانات لآخر وفقًا لعدة عوامل تشغيلية وبيئية.
وأضاف أن حجم استهلاك المياه يتغير باختلاف موقع مركز البيانات، فضلًا عن اختلاف أنظمة التبريد المستخدمة، وهو ما يجعل من الصعب وضع معادلة موحدة لقياس البصمة المائية فى الوقت الحالى. موضحًا أن الأنظمة المغلقة التى تعيد تدوير المياه تُعد أكثر كفاءة وأقل استهلاكًا من الأنظمة التى تعتمد على التبخير، حيث تُفقد كميات كبيرة من المياه أثناء التشغيل.
وأضاف أن مصدر المياه يمثل عاملًا حاسمًا أيضًا، إذ تختلف البصمة المائية عند استخدام المياه العذبة مقارنة بالمياه المعالجة أو المعاد تدويرها، داعيًا شركات التكنولوجيا إلى الاستثمار فى حلول تبريد أكثر كفاءة واستدامة للحد من استهلاك الموارد المائية.
مسئولية مشتركة
وأكد رئيس جمعية حماية البيئة والتنمية أن مسئولية تقليل البصمة المائية تقع فى المقام الأول على شركات التكنولوجيا والحكومات، باعتبارهما الجهتين الأكثر قدرة على اتخاذ القرارات المؤثرة، سواء من خلال تطوير تقنيات التبريد أو اختيار مواقع إنشاء مراكز البيانات فى المناطق ذات المناخ البارد، بما يسهم فى توفير ملايين اللترات من المياه سنويًا.
وأوضح أن دور المستخدمين يظل محدودًا مقارنة بالشركات، إلا أنه يظل مهمًا فى ترشيد الاستخدام، من خلال توجيه استفسارات محددة وعدم تنفيذ طلبات غير ضرورية تستهلك موارد إضافية، مثل إنشاء عدد كبير من الصور أو طرح استفسارات متكررة دون حاجة فعلية.
وأشار طنطاوى إلى أن النقاش لا ينبغى أن يقتصر على المياه المستخدمة فى تبريد الخوادم فقط، بل يجب أن يمتد إلى مصادر الطاقة التى تغذى مراكز البيانات، موضحًا أن إنتاج الكهرباء نفسه يعتمد فى كثير من الأحيان على عمليات تبريد تستهلك كميات كبيرة من المياه، ما يعنى أن البصمة المائية للذكاء الاصطناعى تتجاوز حدود مراكز البيانات إلى منظومة الطاقة بأكملها.
وأكد الخبير البيئى أن الاهتمام العالمى ينصب حاليًا على خفض الانبعاثات الكربونية باعتبارها قضية عالمية مرتبطة بتغير المناخ، بينما تُعد أزمة المياه أكثر ارتباطًا بالظروف المحلية لكل دولة.

ورغم ذلك، توقع طنطاوى أن تحظى البصمة المائية خلال السنوات المقبلة بالاهتمام نفسه الذى تحظى به البصمة الكربونية، مع تزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعى وارتفاع الطلب على مراكز البيانات حول العالم.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن الذكاء الاصطناعى أصبح واقعًا لا يمكن الاستغناء عنه، لكن الاستخدام المسئول لهذه التكنولوجيا، إلى جانب تطوير حلول تشغيل وتبريد أكثر كفاءة، يمثلان الطريق الأمثل لتحقيق التوازن بين التطور التكنولوجى والحفاظ على الموارد المائية للأجيال القادمة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض