رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

«يا خبر!»

دخلت الحرب الأمريكية على إيران مرحلة جديدة من التصعيد بعد انهيار مذكرة التفاهم -التى لم يكن بها أى تفاهم من الأساس- إذا أدى التباين فى تفسير بنودها، ولا سيما المتعلقة بإدارة الملاحة، إلى سرعة انهيارها، ونسف المسار الدبلوماسى الذى كان يفترض أن يمهد لاتفاق أوسع يشمل البرنامج النووى الإيرانى وتخفيف العقوبات.. نقطة الخلاف الأساسية تتمحور حول مضيق هرمز، إذ تطالب إدارة ترامب بأن تتخلى إيران عن نفوذها على الممر البحرى، بينما تعتبر طهران أن مذكرة التفاهم الموقعة الشهر الماضى تمنحها حق إدارة حركة الملاحة فيه، والخلاصة أن الطرفين عالقان الآن عند «حافة الهاوية»، فلا أمريكا تستطيع فرض فتح المضيق بالقوة، ولا إيران تستطيع الحفاظ على إغلاقه دون كلفة اقتصادية وسياسية متزايدة، كما أنها ليس بإمكانها الاستفادة اقتصاديا من استمرار إغلاق المضيق، بعدما عادت العقوبات الأمريكية وجرى استئناف الحصار البحرى، فيما تتراجع صادراتها النفطية ويزداد الضغط على اقتصادها المأزوم، وسرعان ما انعكس هذا على الأسواق العالمية، إذ تراجعت حركة ناقلات النفط إلى أدنى مستوياتها منذ أشهر، وارتفع سعر خام برنت بنحو 20٪ خلال أسبوع واحد، وسط مخاوف من استمرار تعطل الإمدادات العالمية.

بينما تراهن واشنطن على الضغط العسكرى والاقتصادى متمثلا فى الحصار البحرى على الموانئ الإيرانية لإجبار طهران على التخلى عن سيطرتها على المضيق، تبدو طهران مصممة على الاحتفاظ بورقة المضيق الاستراتيجية، وهو ما ينذر بحرب استنزاف قد تطول وتلقى بظلالها على الاقتصاد العالمي، وسط مؤشرات متزايدة على أن المواجهة مرشحة للاستمرار فى غياب أى اختراق دبلوماسي، حيث لم تحقق جهود الوساطة التى تقودها دول عربية وباكستان وأطراف أخرى لإحياء الهدنة أو استئناف المفاوضات أى تقدم ملموس، ويفرض انعدام الثقة بين واشنطن وطهران صعوبة بالغة أمام أى مسار دبلوماسى.

الأن يبدو أن إدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب لا تملك رؤية واضحة لكيفية انهاء الأزمة، رغم عودتها إلى العمليات العسكرية ضد أهداف إيرانية، بالتزامن مع هجمات إيرانية على حلفاء واشنطن فى المنطقة، وأبرز مثال على غياب الرؤية تراجع الرئيس ترامب عن مقترح فرض رسوم بنسبة 20% على السفن العابرة للمضيق مقابل الحماية الأمريكية، واستبداله بفكرة تقديم مرافقة بحرية للسفن، مقابل اتفاقيات استثمارية مع الولايات المتحدة. ويعكس هذا التغيير السريع استمرار نهج واشنطن فى تعديل سياساتها بصورة متكررة، وفقا لتطورات الميدان، ترامب يحاول الآن الانتقال إلى مرحلة جديدة فى استراتيجيته تجاه هذا الصراع، بعد أن جرب الضربات الجوية، ثم الحصار البحرى، وصولا إلى مزيج من القوة العسكرية المعززة بحاملتى طائرات ونحو 20 قطعة بحرية وما يقارب 50 ألف جندي، والضغوط الاقتصادية والدبلوماسية لإجبار طهران على القبول بشروطه، لكن أيا من هذه الأدوات لم ينجح حتى الآن فى تغيير الحسابات الإيرانية أو اعادة فتح المضيق.. الرئيس ترامب يواجه بالفعل أزمة متفاقمة بسبب انهيار مذكرة التفاهم التى قدمها باعتبارها إنجازا دبلوماسيا، كما أن توسع المواجهة ليشمل اليمن واستئناف الهجمات بين السعودية والحوثيين قد يفاقم حالة عدم الاستقرار فى المنطقة.

حين مناقشة مسألة الحسم العسكرى لهذا الصراع ورغم فارق القوة العسكرية الواضح والكبير لصالح الولايات المتحدة إلا أن الواقع يقول أن أى طرف منهما غير قادر على تحقيق أهدافه عسكريا، فواشنطن بجيوشها الجرارة ورغم مئات الضربات الجوية، لم تتمكن من إنهاء قدرة إيران على تهديد الملاحة، لأن الأخيرة لا تزال تمتلك صواريخ ومسيّرات قادرة على استهداف السفن حتى من داخل الأراضى الإيرانية، هذا غير أن استمرار المواجهة يهدد بإعادة المنطقة إلى حرب واسعة، خصوصا مع ازدياد الضغوط على أسواق الطاقة والدول المستوردة للنفط، بينما لا تبدو أى قوة دولية مستعدة لتولى دور حاسم فى تأمين المضيق، أوربا مترددة ولم تحسم موقفها تجاه هذه الحرب رغم التغير الملحوظ فى اللغة الذى بدأ فى اجتماعات الناتو، بينما تخشى دول الخليج الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع إيران، فى حين اكتفت الصين بالدعوة إلى إعادة فتح الممر البحرى دون اتخاذ خطوات عملية.

رغم التصعيد المتواصل، يظل الحسم العسكرى الخيار الأخير بعد استنزاف كل الحلول، لأنه سيكون بمثابة حرب إقليمية شاملة لها تداعياتها الخطيرة على المنطقة، فى حين العودة إلى طاولة المفاوضات تظل الخيار الوحيد القادر على إنهاء الأزمة.