لا شك أن محاولة صياغة تشريعات للأحوال الشخصية بمعزل عن المرجعية الشرعية المستقرة في وجدان الأمة وعقيدتها هي مغامرة غير مأمونة العواقب، بل هي مدخل مباشر للتفكك الأخلاقي والاجتماعي، فالشريعة الإسلامية عندما نظمت شؤون الأسرة، من زواج وطلاق ونفقات وحضانة، لم تضع مجرد نصوص قانونية جافة قابلة للمساومة والالتفاف، بل أسست منظومة متكاملة تربط الحقوق بالواجبات والضمير الإنساني بمراقبة الخالق، مما يجعل الالتزام بها نابعاً من عقيدة داخلية تنظم السلوك البشري من تلقاء نفسه قبل أن يكون خوفاً من سلطة القانون أو هروباً من عقوباته الدنيوية. وعندما تُنزع هذه الصبغة الروحية والشرعية عن عقود الزواج وضوابط الطلاق، وتحل محلها القوانين الوضعية الصرفة المعتمدة على الفلسفات الفردية والمادية، يتحول الرابط الأسري من ميثاق غليظ يقوم على السكن والمودة والرحمة والفضل، إلى مجرد عقد مدني نفعي مبني على الحسابات الرقمية والمكاسب المادية المتبادلة، وسرعان ما ينهار هذا البناء عند أول اختبار أو ضائقة، مما يفتح الباب على مصراعيه أمام أنماط من السلوكيات الغريبة عن قيمنا الفطرية، فيفقد المجتمع حصانته الأخلاقية التي دافع عنها عبر القرون. لقد نظرت الفلسفة الإسلامية إلى الأسرة بوصفها عبادة ممتدة وحصناً للأمة، بينما جاءت الفلسفة المادية الحديثة، التي تضرب جذورها في بعض أفكار ما يسمى بعصر التنوير الغربي وصولاً إلى الرأسمالية المعاصرة، لتبجل الفرد وتعتبره هو المركز المطلق، جاعلة من الأسرة التقليدية والتزاماتها الأخلاقية مجرد عائق أمام حريته الاستهلاكية الفردية، وهو الأمر الذي أنتج في المجتمعات الغربية ما يسمى اليوم بموت الأسرة وتفكك الروابط الفطرية لصالح سيولة اجتماعية مرعبة.
وينعكس هذا التحول من الشرعي إلى الوضعي المادي بشكل كارثي على الصحة النفسية والاجتماعية والتربوية داخل البيوت، حيث يتجلى ذلك في انهيار سلطة الأب الروحية والأخلاقية، وتشويه دور الأم الفطري، ليتحول الأبناء في غياب الانضباط الشرعي والتراضي القائم على التقوى إلى أدوات صراع مادي وجحود متبادل بين الطرفين المنفصلين، مما يورث المجتمع جيلاً كاملاً يعاني من الاغتراب النفسي الحاد والسيولة الأخلاقية والتمرد على الثوابت، نتيجة نشأته في بيئة قضائية جافة تفتقر لروح العدالة الإلهية والسلام النفسي الناتج عن الرابطة الربانية. والتشريح النفسي والاجتماعي الدقيق للنزعات الإنسانية يؤكد أن الإنسان عندما لا تحكمه خشية الله في علاقاته الأكثر حميمية، ينزلق نحو الأنانية المطلقة ويصبح مستعداً لتدمير شركائه وأبنائه في سبيل تحقيق نصر قانوني موهوم توفره ثغرات التشريع الوضعي، وهو ما ينذر بوقوع انفلات أسري غير قابل للسيطرة تضيع فيه الحقوق وتتحلل معه الأخلاق العامة والخاصة على حد سواء.
إن سحب القداسة والروحانية عن أركان البيوت وبنيانها لا يقتصر على إضعاف الروابط الاجتماعية فحسب، بل يمتد ليمحو ذلك السر الخفي العظيم الذي بارك بيوت أجدادنا طوال عقود مضت رغم بساطة عيشهم وقلة ذات يدهم. تلك البركة الروحية التي غابت اليوم عن الكثير من جدراننا وصالوناتنا الحديثة، هي طاقة ربانية غيبية لا يمكن رصدها بمؤشرات الرأسمالية الشرسة، ولا حصرها في دفاتر الشروط الجزائية، لكنها كانت الحارس الحقيقي الذي حافظ على تماسك بيوتنا في وجه الفقر والأزمات الطاحنة. وحين نستبدل هذا اليقين الدينى بروح التحفز القانوني وصياغة بنود الندية والصراع المستوردة، فإننا نغلق طوعاً وبأيدينا نوافذ رحمة الله، ليتحول البيت من سكن دافئ تلتئم فيه الجراح إلى مجرد فندق بارد وعابر يتصارع نزلاؤه على من يدفع الفاتورة الأخيرة قبل أن يغادروه هرباً إلى صقيع الفردية المطلقة والانعزال التام عن العالم.
إنه صراع شرس ومصيري على روح الأمة وهويتها وصياغة وجدان أجيالها القادمة. ودعوة كبرى لإنقاذ الإنسان المعاصر من براثن الفلسفات المادية التي تحوله من إنسان إلى رقم استهلاكي عابر في سوق لا ترحم، والعودة به إلى رحاب فطرته السوية التي فطر الله الناس عليها وجعلها ملاذاً آمناً لكل حائر. إن هذا المنعطف التاريخي الحاسم يطالبنا جميعاً، وعلى رأسنا الأزهر الشريف بمكانته الكبيرة ، بانتفاضة فكرية وتوعوية تعيد للأسرة هيبتها القدسية المفقودة، لتظل البيوت قلاعاً دافئة تشع بالسكينة والمودة، ونواة حية لمجتمع متماسك يواجه أعاصير العصر بقلب جسور وإيمان لا يتزعزع.
عقب الثورة البلشفية عام ألف وتسعمائة وسبعة عشر، سعى النظام السوفيتي الجديد بقيادة لينين إلى تطبيق النظرية الماركسية بحذافيرها، والتي كانت ترى في الأسرة التقليدية بنية برجوازية تعوق تقدم المجتمع. وبناءً على ذلك، صدر مرسوم الأسرة التاريخي عام ألف وتسعمائة وثمانية عشر، وتبعه قانون الأسرة لعام ألف وتسعمائة وستة وعشرين، الذي أقر ما عُرف تاريخياً بطلاق البطاقة البريدية. بموجب هذا القانون، كان بإمكان أي من الزوجين إنهاء الزواج فوراً بمجرد إرسال بطاقة بريدية إلى مكتب التسجيل، دون أي حاجة لإخطار الطرف الآخر مسبقاً أو الحضور أمام القضاء. فنتج عن ذلك ملايين الأطفال المشردين الذين عُرفوا تاريخياً باسم (البسبيروزوني)، والذين ملأوا شوارع المدن السوفيتية يصارعون الصقيع والجوع والجريمة، في كارثة اجتماعية طاحنة زلزلت أركان الدولة وأرعبت قادتها، مما أجبرهم لاحقاً على التراجع العاجل وإعادة فرض القوانين الصارمة لحماية الأسرة بعد أن دفعوا ثمناً دموياً من مستبقل جيل كامل.
وعندما اندلعت الثورة الفرنسية، تبنى قادة العهد الجديد فلسفة مادية متطرفة تسعى لاجتثاث أي أثر ديني من الفضاء العام وتجريد العلاقات الإنسانية من طابعها الروحي. وتجلى ذلك بشكل صارم في القانون الصادر في العشرين من سبتمبر عام 1792، والذي نزع عن الزواج صفته الدينية وحوله إلى مجرد عقد مدني بسيط يمكن إنهاؤه لأسباب واهية مثل "عدم التوافق المزاجي"، بل وأتاح الطلاق بطلب أحادي من أحد الطرفين دون إبداء أسباب.النتائج التي رصدتها سجلات الدولة الفرنسية في تلك الحقبة جاءت صادمة ومباشرة ، ففي العاصمة باريس وحدها، وخلال السنوات القليلة التي أعقبت صدور القانون، بلغت معدلات الطلاق أرقاماً غير مسبوقة حتى فاقت في بعض الأعوام أعداد عقود الزواج الجديدة. هذا الانفتاح التشريعي غير المنضبط أدى إلى فوضى عارمة في قضايا الإرث وتشتت الأطفال، وارتفاع هائل في نسب المواليد خارج إطار الزوجية والذين تخلت عنهم عائلاتهم. هذه الهزة الاجتماعية العنيفة هددت السلم الأهلي وبنية المجتمع الفرنسي بأكمله، مما دفع نابليون بونابرت عند صياغة القانون المدني الشهير عام 1804 إلى إلغاء تلك التسهيلات المتطرفة وإعادة فرض قيود صارمة جداً على الطلاق، ليعيد للأسرة هيبتها القانونية بعد أن أدركت الدولة أن السيولة التشريعية وضعت المجتمع على حافة الانهيار.
إن تأمل هذه الدروس التاريخية يضعنا أمام الحقيقة العارية التي لا تجملها الشعارات البراقة. إن صيانة البيوت لا تضمنها المحاكم والإجراءات الوضعية، بل يضمنها الخوف من الله في لحظات الغضب، والذى يدعو إلى الفضل والرحمة عند الطلاق. وحين يفقد المجتمع هذا الرابط الروحي لصالح فلسفات مادية باردة، فإنه يحكم على نفسه طوعاً بالتفكك والضياع.
كما أن الارتداد عن الفطرة الإنسانية السوية لا يقف عند حدود الهدم الفردي، بل يمتد ليضرب الاقتصاد القومي والإنتاجية العامة للمجتمع في مقتل، فالإنسان الذي يعيش في صراع قضائي مستمر، ويشعر بأن تشريعات بلاده لا تحمي روحه ولا تحفظ عرضه ودينه، بل تدفعه دفعاً نحو العداء والقطيعة، يفقد طاقته الإبداعية وقدرته على الإنتاج، وهنا تظهر العبرة من التشريع الإسلامي الذي لم يترك أمر الانفصال-إن وقع-لأهواء الخصومة، بل أحاطه بالأمر الإلهي (تسريح بإحسان)، وهو مفهوم أخلاقي تعبدي يعجز التشريع الوضعي المادي عن صياغته أو إلزام الضمائر به، لأنه مفهوم يتجاوز سلطة المحكمة الأرضية إلى الرقابة الإلهية. ومن هنا يتأكد أن الهروب من المرجعية الشرعية والارتماء في أحضان النظريات المادية الغربية تحت دعاوى التنوير، ليس إلا استبدالاً للذي هو أدنى بالذي هو خير، وتوجهاً نحو تدمير المجتمع، وهو الأمر الذي يستوجب وقفة تشريعية ومجتمعية حاسمة تعيد للأحوال الشخصية قداستها الشرعية التي هي وحدها كفيلة بصيانة الأنفس والبيوت من التحلل والانفلات.
هذا الخطر الداهم الذي يتهدد بنيان الأسرة ومستقبل الأمة يضع مسؤولية تاريخية وعقائدية كبرى على عاتق المؤسسة الإسلامية، وفي مقدمتها الأزهر الشريف، الذي لا يمكن ولا يجوز له، أن يظل صامتاً أو مكتفياً بموقف المراقب وهو يرى معالم الشريعة تُنحى، وحصون الفطرة تتهاوى تحت وطأة التشريعات الوضعية المادية. فالأزهر ليس مجرد هيئة علمية تاريخية، بل هو حارس العقيدة، وضامن الهوية، والمرجعية الدستورية والشرعية التي استأمنتها الأمة على دينها وحماية أسرها من التحلل والضياع. إن صمت المؤسسة الدينية في مثل هذه اللحظات الفاصلة قد يُفسر على أنه إقرار ضمني بتلك القوانين التي تزرع الشقاق وتبث الكراهية في البيوت، وهو أمر يتنافى تماماً مع الدور الريادي للأزهر في الذود عن حمى الإسلام ومقاصده الكلية.
لذلك، فإن التحرك الإيجابي الحاسم، وإعلاء صوت الحق والشرع دون مواربة، يمثل الفريضة والواجب الحتمي للأزهر الشريف اليوم، من خلال قيادة النقاش التشريعي، وتقديم البدائل الفقهية المعاصرة المستمدة من روح الشريعة لا من النظريات المستوردة، ليكون خط الدفاع الأول الذي يحول دون انزلاق المجتمع نحو مسارات الانفلات والتفكك الأخلاقي.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض