رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

الشيخ المعلم لمصطفى باشا النحاس

الولى الفقيه.. أبوالمعارف «السيد محمد عبدالرحيم النشابى»..

بوابة الوفد الإلكترونية

تلقى «النحاس» العهد منه صبيًا فى المرحلة الثانوية وطالبه الشيخ بأن يكون قاضيًا يحكم بين الناس بالعدل ويرد مظالم العباد ورافقه لمقامه عقب وفاته

أشهر كراماته تصديه لظلم المنشاوى باشا الذى تبرع بأملاكه لعمل مستشفى للفقراء ومعهد لتدريس العلم الأزهرى لا يزالان بطنطا

 

• من الصعيد لطنطا

ما الذى أتى بهذا الصبى من أقاصى صعيد مصر ليسكن مدينة طنطا ويتعلم فى المسجد الأحمدى؟، البداية من حى نفادة أو حارة نفادة وتحديدًا فى شهر يونيه من العام 1948م، رزقت الأسرة بذلك الصبى، وتيمنا بحضرة رسول الله صلوات الله عليه، أسماه الأب محمد، ولأنه أراد أن يتبرك بقدومه فقد نذر لله أن يحفظ الصبى القرآن ويودعه فى كتاب القرية إذا استقوى على الكلام وبدأ فى النطق ليكون أول ما يتعمله هو كلمات ربى التامات، حفظًا وصونًا ومنارة له تهديه، وأتم الأب النذر، وحفظ صبينا محمد القرآن الكريم فى كتاب القرية، وذات يوم بعد عودة الصبى من الكتاب، طلب من أبيه أن يزور أضرحة آل البيت النبوى الشريف، فقالت بعض المصادر إن الصبى أفصح عن هذه الرغبة من نفسه، وعززها آخرون لحال من الوجد استبد بصبينا فأراد أن يروى ظمأ الفؤاد بالزيارة، فأعدت الأم زواده السفر للوالد والصبى، واستعدا للرحيل للقاهرة لزيارة آل البيت النبوى، وقصد الأب فور وصوله قريبًا لهم يسكن القاهرة لكن الصبى أشار على والده أن ينهيا الزيارة أولًا ثم يترك الأب ليقرر، ثم زار صبينا بصحبة والده أحفاد شمس الهدى، ولاحظ الأب على ابنه حالة من الصمت والشرود أمام ضريح السيدة زينب رضوان الله عليها، ثم حالة من البكاء قد استبدت بالصبى، بكاء أشبه بنشيج ممزوج بالحزن، حاول الأب فهمه لكنه كان حالًا عصيًا على الفهم.

وأثناء الزيارة قصد الصبى مع والده مقام سيدى أبى البركات ناصر المظلومين «سيدى أحمد الدرديرى» رضى الله عنه، فقرأ الولد الجدارية المعلقة على الحائط فأعجب بشهامة ذلك الولى، وكيف أنه ناصر ونصر المظلومين وتصدى لبطش قاهريهم، فطلب الصبى آنذاك أن يقيم هو ووالده فى حارة عنبر بالقاهرة قرب مقام الدرديرى الذى أعجب بحياته ونصرته للمظالم، وطالت مدة الإقامة، يقضيها الولد بالذهاب إلى حلقات الدروس فى مساجد الأولياء المجاورة، ويصلى الجمعة أسبوعيًا بمسجد الإمام الحسين رضوان الله عليه، غير أن الأب لاحظ فى أبنه الذى أكمل العقد الأول من عمره صفات الواعظ والقائد فقد شهده أكثر من مرة يقف بوسط حارة عنبر ويجمع الصبية حوله متوقفًا على أريكة من الخشب يخطب فيهم ويعيد ويكرر عليهم ما سمعه من خطبة الجمعة، ثم مرة أخرى يجلس الصبية ويتحلقون حوله دائرة ويحثهم على الاستمساك بالنهج النبوى فى السلوك ومساعدة المحتاج والفقير.. ويبدو أن الأب لم يتناس أن له زوجة وبيت فى جرجا وجب أن يرحل إليهم ليراعى شئون أسرته، غير أن السؤال الآن: هل سيعود بالصبى أم سيلحقه بحلقات علم الجامع الأزهر الشريف؟

لم تشر المصادر التاريخية التى لجأ إليها كاتب هذه السطور إلى سبب انتقال الأب لطنطا، فما ذكره محمد ممدوح دبور فى مؤلفه «فوح المسك الزكى فى مناقب النشابى» أن الصبى قصد طنطا مع والده للإلتحاق بالمسجد الأحمدى تلميذًا يتعلم فيه، فلما ذهب الصبى مع والده إلى طنطا، قرر الأب أن يتركه مع بقية الصبية ليعتمد الصبى على نفسه ويعود الأب إلى جرجا مرة أخرى، ودخل الأب إلى مكتب شيخ المسجد الأحمد فى ذلك الوقت، السيد إمام القصبى، وطلب منه أن يتلحق أبنه تلميذا فى المسجد الأحمدى، فوافق شيخ المسجد شريطة أن يجتاز اختبار القرآن وبعض الاختبارات فى الفقه والعقيدة بقدر عمره..

والتحق الصبى بأحد الأعمدة ليبدأ اختباره، وقد لاحظ الشيخ الذى يختبره شرود الصبى، ثم يعيد فيجيب بإجابة كأن شخصًا يملى عليه ليقول، فتطرق لبعض مسائل الفقه، فكان صبينا يشرد فى السماء ثم يجيب إجابة مكتملة، ما دفع ذلك الشيخ إلى الذهاب لإمام المسجد ليخبره أن الطالب الصعيدى الوافد جديدًا لم يخطئ فى سؤال لكنه من أصحاب الأحوال الغريبة، فهو دائم التأمل فى السماء ثم يأتى بالجواب كأن شخصا يمليه الإجابة، وهنا قرر إمام المسجد أن يضع الصبى تحت عينه ليفهم سر هذا التأمل والصمت الملازمين له. ومرت الأيام وصبينا وحيدًا بحلقة الدرس لجوار العمود الذى يجلس فيه وسط أقرانه، وإذ برجل من العاملين بالمسجد يدخل ويشى بالصبى لإمام المسجد وشيخه، فيقرر وقتها السيد إمام القصبى توبيخ الصبى أمام أقرانه وإعلان فصله من الدرس بالمسجد الأحمدى على أن يجمع أغراضه ويعود إلى بلدته فى الغد عاجل غير منتظر، فلما كانت الوشاية قائمة على ظلم الصبى، تأذى صبينا وأحس بخيبة الأمل والمسعى، فما كان منه إلا أن ذهب لصاحب المقام سيدى أحمد البدوى، وبحسب ما ذكره المرجع –مؤلفه محمد ممدوح دبور – قال الصبى لصاحب المقام سيدى أحمد البدوى: «تركت الأزهر وجدى الحسين بمصر وجئتك حبا لك، لكنك لم تحمنى من ابن بلدك وشيخ الجامع القصبى الذى أمر بطردى، وسأسافر إن شاء الله إلى مصر لتلقى العلوم هناك، حيث إن جامعك لم يسعنى وطردنى شيخك وسلامًا عليك..».

وذهب الصبى حزينا يجمع أغراضه، فقد ضاع حلمه فى الحصول على إجازة العلم من المسجد الأحمدى عائدًا إلى القاهرة مطرودًا من ساحة شيخ العرب.

• جن الليل..

ولما جن الليل وقد عقد الفتى العزم وجمع أغراضه ثيابه وكتبه عاقدًا همته على السفر بالقطار من محطة طنطا متجها للقاهرة، نام الفتى منتظرًا شروق الصبح غير مدرك أن للأمر رب يديره وللكون إله يختار ويتخير، فإذ بالشيخ القصبى إمام المسجد الأحمدى يرى فى منامه السيد أحمد البدوى يأتيه ويعنفه كونه تسبب فى زعل الفتى محمد عبدالرحيم وقد تعهد الشيخ القصبى إمام المسجد الأحمدى أن ينهض فورًا ويلحق بالفتى قبل أن يرتحل بالقطار للقاهرة، وزادت الكرامة قدرًا بأن فوجئ شيخ المسجد الأحمدى بتواجد مدير مديرية الغربية مسرعًا ومتجهًا إلى المسجد الأحمدى، فاندهش الشيخ وسأله عن سبب قدومه فأجابه بأنه يبحث عن طالب علم من الصعيد ويدرس فى مسجد سيدى أحمد البدوى، فأخبره الشيخ عن سبب بحثه فأجابه بأن السيد أحمد البدوى زاره فى المنام هو الآخر وطلب منه اللحاق بالفتى لإكمال دراسته بالمسجد الأحمدى، وانطلقا الشيخ مع مدير المديرية يبحث عن الفتى صاحب الكرامة والدلال عند صاحب المقام، وشاء القدر أن يلحقا به على رصيف القطار وقد أخبراه بما حدث فخر ساجدًا الفتى محمد عبدالرحيم لله شاكرًا أن أيده بعباده الصالحين ووليه سيدى أحمد البدوى. عائدًا هذه المرة ينهل من العلم نهلا ويتفرغ لالتهام صحائفه.

ومرت السنوات وصاحبنا الشيخ الصغير الذى أصبح فتيًا يتدرج فى المناصب العلمية حتى أصبح شيخ حلقه أو شيخ عمود بالمسجد الأحمدى، فيروى تلامذته وأشهرهم الشيخ على داود رحمه الله الخليفة الثالث له بحسب ما ورد فى المراجع التاريخية، أن طلاب المسجد الأحمدى كانوا يتقافزون ويتطايرون كالحمام من الأبراج التفافًا حول عمود الشيخ محمد عبدالرحيم النشابى تاركين باقى حلقات الدروس والمشايخ ما أوغر الغيرة فى قلوب المشايخ فى ذلك الوقت، ولعل أبرزهم كان الشيخ الظواهرى وهى غيره تقع فى النفس البشرية كما وقعت بين الأسباط أخوة يوسف.

• كرامات الشيخ..

نضج الفتى وأمسى رجلا، والرجل أصبح شيخًا من عاصروه شهدوا له بالحكمة والكلمة الطيبة والمرحمة فى التعامل، فكانت أبرز كراماته مع رجل من مريديه يعمل نجارًا وقد دعته امرأة من قرية تجاور طنطا ليصلح لها أعمال النجارة، وكانت المرأة لا تود دفع أجرته مقابل اختلاس سويعات من اللذة المحرمة، وقد وقع النجار فى فخ بنت هواء وكاد أن يسقط، حتى سمع من يخبط خبطات على الباب قوية يخبر النجار أن الشيخ محمد عبدالرحيم يقول له: «فز انهض وتعال المسجد حالًا» وقام ابن آدم من فوق السيدة قبل أن يكتمل إثمهما ليعدل ثيابه ويخرج مسرعًا من الباب فزعًا، فإذ بزوج السيدة يدخل إلى المنزل عقب خروجه بلحظات، وقد استبد بالنجار حزن وهوان خشى فيه أن يذهب ليلتقى الشيخ متثاقلًا فى خطوته لا يعرف أين يذهب وقد نجاه الله من الفضيحة فى القرية وربما القتل، باكيًا يسير فى طريقه وإذ به يرى الشيخ يخبره أن ينزل للترعة كى يتطهر من اثم روحه لا جسده فقط ويواصل السجود لله حمدًا واستغفارًا على ستره أمام القرية وعياله.

وتروى الكثير من الكتب التى تناولت سيرة السيد محمد عبدالرحيم النشابى موقفه مع أهل السلطة والمال وكان أبرزها تلك القصة المشهورة مع أحمد باشا المنشاوى الذى كان يجلس فى منتصف شارع الجيش «البحر» حاليًا وأمام فيلته التى لا تزال متواجدة للآن يجلس مادًا قدميه على مقعدين من الجريد وأمامه كلبان، وما إن يلمح الدراويش وأهل الصوفية فى طريقهم لتكية الشيخة صباح إلا وينهرهم ويسخر منهم ويسلط كلابه عليهم، حتى قرر السيد محمد عبدالرحيم أن يمشى أمامه، فلما هم بالسخرية م الدراويش، تلجم لسان الباشا المنشاوى، وأحس بأن يدا تقبض على رقبته، وصرخ فيه السيد عبدالرحيم: «متى سترجع إلى الله وتعلم أنك مخلوق من الطين ومردك التراب» ويتركه السيد عبدالرحيم النشابى ويمضى فيستشعر المنشاوى باشا الما فى كل جسده لأيام، ويرى فى نومه أن يتوجه لله تائبًا ويذهب ليعتذر للسيد عبدالرحيم فيما فعلها مع المساكين ولفقراء، فلما ذهب إليه انهار باكيًا طالبًا منه أن يسامحه، فيخبره السيد عبدالرحيم أن يذهب ليتوضأ فيعيد وصاله مع الله، ويصبح المنشاوى باشا بعدها مريدًا للسيد عبدالرحيم النشابى، ثم تأتى المفاجأة فيخبره بأنه يريد أن يعطى المال الذى جمع بأكثر من طريقة ظالمة وغير مشروعة لأهله لكن الكثير ممن ظلمهم قد ماتوا، فيخبره السيد عبدالرحيم بأن يتبرع بأرضه لعمل مستشفى خيرى وأخرى لعمل معهد تدريس أحمدى. وبالفعل للآن لا يزال مستشفى المنشاوى العام هو ملاذ الفقراء وكذا معهد المنشاوى الأزهرى.

وقد ذاع صيت الشيخ وفى أثناء جلسته داخل المسجد الأحمدى تنتاب الشيخ حالة من الغياب عن الحضور، فيسعى تلامذته للاستفهام فلم يجبهم، ثم يخبرهم «سيدخل علينا أخ لكم أكرموه، سيكون رئيس وزراء مصر» وبعد دقائق يدخل المسجد طالب فى المرحلة الثانوية هو الطالب مصطفى النحاس، فلما رأى تلامذة الشيخ «حول عين» المريد الجديد، وقر فى قلبهم حديثًا بأن الشيخ ربما أخطأ، فكيف لهذا الفتى الأحول أن يكون رئيس وزراء مصر كما يقول الشيخ، وواصل المريد الجديد رفقته للشيخ، وتدرج من الثانوية للجامعة بكلية الحقانية، وطلب الشيخ منه أن يعكف لأن يكون قاضيًا ليحكم بين الناس بالعدل ويرد مظالم العباد، وفعل النحاس بما أتمر واشتغل بالقضاء، حتى جاءه نبأ مرض الشيخ فهرع إليه، فأخبره الشيخ بدنو أجله، فمكث زعيم مصر مصطفى باشا النحاس لجوار شيخه حتى وافته المنية وأصر أن يرافق شيخه ليحمله حتى مستقر الجسد داخل مقامه الحالى بمنطقة سيجر بمدينة طنطا.