تأملات
هناك مقولة قد لا نختلف كثيرا على صحتها تذهب إلى أنه طالما وجدت دولة إسرائيل فى المنطقة فلن يتمتع الشرق الأوسط بالاستقرار على الإطلاق. بالمنطق ذاته يمكن القول دون أن يكون فى ذلك مبالغة أو تجاوز أنه طالما بقى الرئيس الأمريكى ترامب على رأس الحكم فى بلاده فإنه لن يوجد استقرار فى النظام العالمى بمختلف أوجهه سياسيا واقتصاديا وعسكريا. فمنذ توليه مهام منصبه أخذ الرجل العالم فى سكة ثانية، تتمثل ذروتها حتى اللحظة فى الحرب على إيران. المشكلة أن ترامب يدير العملية بمنطقه الخاص لا هو منطق يعبر عن استراتيجية ولا رؤية تعكس دولة بحجم الولايات المتحدة، أداة هذا المنطق هى إغراق العالم فى سياسات وتصريحات تعكس الشىء وضده على نحو لا يجعلك تستقر على ما يريده هو نفسه من استمرار الأزمة أو توقفها.
وإذا كان العالم كله قد التقط أنفاسه مع توقيع مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة لوقف الحرب تمهيدا للتوصل إلى اتفاق شامل بعد شهرين، فإن الرئيس الأمريكى يفاجئنا بتصعيد يصل إلى حد شن الحرب من جديد ولكن بإيقاع آخر التفافا على ما يبدو على قيود داخلية يفرضها عليه الدستور والكونجرس. نهج ترامب ربما يذكرنا بالرؤية القرآنية التى تقوم على انتقاد غياب «الإل والذمة» (لا يرقبون فيكم إلًّا ولا ذمة) عند البعض من الخصوم وبشكل خاص فكرة الالتزام بالعهد عند شخصية مثل ترامب، حيث يبدو واضحا لمن يعرف سيرته أن الرجل على ذات الشاكلة. وقد فعل ذلك مع إيران من قبل خلال ولايته الأولى بإلغاء اتفاق خمسة زائد واحد الذى أبرمه أوباما رغم أنه من المفترض أنه اتفاق وقّعته أطرافه عن تراضٍ وتوافق بينهم. ثم ها هو يفعل الشىء ذاته بخصوص مذكرة التفاهم بعيدا طبعا عن بعض التفاصيل الخاصة التى ربما تفسر هشاشة تلك المذكرة.
على المستوى الشخصى كنت أتوقع ألا يعيد الأمريكيون اختيار ترامب، ولكن حدث العكس، ورغم ذلك فإنه بعد انكشاف الوجه الحقيقى لسياساته يفقد الكثير من الدعم والمساندة سواء على المستوى الداخلى أو الخارجى من أقرب أنصاره فى حركة ماجا أو حتى الحلفاء فى أوروبا الغربية.
ربما ينطلق ترامب من فكرة أن السياسة – بل وكل ما هو غيرها – لا يجب أن تنطلق من إطار اخلاقى، ولكن حتى أكثر البراجماتيين فى النظر للسياسة على نحو ما عبر مكيافيللى كان يرى أنه يجب تغليف هذه الرؤية فى إطار مناسب.
فى كتاب عن ترامب – لا يحضرنى عنوانه – راح مؤلفه يشير إلى أن الرجل حريص على أن يبقى فى دائرة الضوء حتى ولو بشكل فضائحى، وهو ما يبدو فى تعاطى الرئيس الأمريكى مع الأزمة الإيرانية، فالرجل يعارض مثلا فرض إيران رسوما على العبور من مضيق هرمز وقد يكون له منطقه فى ذلك الذى يؤيده فيه المجتمع الدولى، غير أنه بعد أيام راح يعلن أنه سيقوم على حماية الحركة عبر المضيق مع فرض رسوم حماية لكل من يستفيد من هذا الوضع، وهو ما يتناقض مع قدر دولة بحجم الولايات المتحدة كانت حتى فترة قريبة مضت تقدم خدماتها مقابل مزايا أخرى تعزز فكرة كونها قوة عظمى، غير أن ترامب راح يغير من تصريحاته ليعلن استعداد بلاده لأن تكون تلك الرسوم عبارة عن استثمارات فى بلاده.
حدود اللياقة تفرض التحفظ فى وصف مثل هذه التحولات، غير أن الكثير من تصريحات الحلفاء قبل الخصوم تكفى فى التأكيد على ضرورة وقف هذا «العبث الترامبى» إن صح التعبير.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض