رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

قال ريتشارد ديدكيند:
“على هذا الكوكب .. عليك أن تستخدم كل ذكائك لتعيش، وكل غبائك لتتعايش.”

وربما لم تكن هذه العبارة مناسبة لعصر كما هي مناسبة لعصرنا الحالي .. فنحن لا نعيش فقط في زمن السرعة، بل في زمن الاستنزاف العقلي والنفسي.
زمن أصبح الإنسان فيه محاطا ً يوميا ً بفيضٍ هائل من الأصوات، والآراء والاستفزازات، والمقارنات، والتناقضات، حتى بات العقل في حالة دفاع مستمر.
في الماضي؛ كانت حياة الإنسان أبسط، ودائرة احتكاكه محدودة أما اليوم فقد أصبح الجميع داخل حياة الجميع.
تدخل إلى هاتفك لتقرأ خبرا ً؛ فتجد نفسك وسط معركة، وتفتح موقعا ً للتسلية؛ فتواجه موجة من الجدل، وتحاول أن تحافظ على هدوئك؛ فتكتشف أن العالم كله يتنافس على جذبك نحو التوتر والانفعال.

وهنا تظهر أزمة الإنسان الواعي.
فالذكاء لم يعد دائما ً نعمة خالصة، بل قد يتحول أحيانا ً إلى عبء ثقيل .. لأن الأكثر ملاحظة يرى ما لا يراه غيره، ويقرأ ما خلف الكلمات، ويفهم النوايا قبل التصرفات، ويشعر بالتناقضات التي يتجاوزها الآخرون بسهولة.
ولهذا تجد أن بعض الأذكياء أكثر الناس إنهاكا ً، ليس لأن الحياة أقسى عليهم، بل لأن عقولهم لا تتوقف عن التحليل، ولا تتوقف عن التقاط التفاصيل ولا تجيد أحيانا ً فن العبور الهادئ.

ومن هنا نفهم المعنى الحقيقي لما سماه ديدكيند “الغباء”.
فهو لا يقصد الغباء الحقيقي بل يقصد ذلك النوع من التغافل الواعي الذي يسمح للإنسان أن يحافظ على اتزانه النفسي وسط هذا الضجيج.
أن تتجاوز بعض التصرفات دون رد، أن تدرك الحقيقة لكنك لا تدخل كل معركة، أن ترى الاستفزاز ثم تختار الصمت، أن تفهم الناس جيدا ً دون أن تستنزف نفسك في محاولة تغييرهم .. فليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل ما يُفهم يستحق النقاش، وليس كل خطأ يحتاج مواجهة.
بعض البشر يظنون أن كشف كل شيء قوة، وأن الرد على الجميع ذكاء، وأن الانتصار في كل جدال نوع من التفوق، بينما الحقيقة أن الإنسان الناضج يعرف أن الحفاظ على سلامه الداخلي أهم من كثير من الانتصارات المؤقتة.

وفي عصر مواقع التواصل تحديدا ً، أصبح كثيرون يعيشون في حالة استنفار دائم، يدخلون يوميا ً عشرات المعارك الفكرية والنفسية بلا طائل، يشرحون،
ويبررون ويغضبون، ويستهلكون أعصابهم لإقناع أشخاص لا يريدون الاقتناع أصلا ً.

ومع الوقت؛ لا يخسر الإنسان وقته فقط، بل يخسر هدوءه،
وتركيزه، وقدرته على الاستمتاع بالحياة .. ولهذا أصبح التغافل مهارة، وليس ضعفا ً.
فالإنسان الناضج لا يعيش بكامل حدته طوال الوقت، ولا يستخدم ذكاءه كسلاح دائم، بل يعرف متى يتكلم، ومتى يصمت، ومتى ينسحب، ومتى يبتسم فقط لأنه أدرك أن راحة البال ليست شيئا ً ثانويا ً في الحياة.

إن أصعب ما يواجهه الإنسان اليوم ليس أن يعيش؛ بل أن يتعايش دون أن يفقد أعصابه،
أو إنسانيته، أو سلامه الداخلي.
ولذلك ؛ 
ربما لم يكن المقصود من العبارة أن نكون أغبياء،
بل أن نتعلم متى نتغافل .. كي نستطيع الاستمرار.