رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

د. أحمد زايد مدير مكتبة الإسكندرية لـ«الوفد«:

الصهيونية لا تعرف السلام

بوابة الوفد الإلكترونية

مصر أكبر دولة داعمة لفلسطين.. و«السيسي»» نجح فى وقف التهجير

30 يونيو أحدثت انفراجة فى المجتمع..ونعيش عصر «الرقمنة»

مواجهة التطرف لا تكتفى بالوعظ.. ونحتاج تضافر مؤسسات الدولة

الثقافة عماد التنمية.. والغزو الثقافى مفهوم انسحابي

400 فعالية بمعرض الكتاب.. وإطلاق أفلام وثائقية باسم «عيون مصر»

 

إنَّ مسيرة الدكتور أحمد عبدالله زايد مدير مكتبة الإسكندرية تشهد على نشاطٍ يجمع بين الإنسانية والمهارة والتمرس والمكنة التى جعلته عالمًا اجتماعيًا فوق العادة، فمنذ أن قدم من إحدى القرى بمركز مغاغة محافظة المنيا عروس الصعيد ليلتحق بكلية الآداب جامعة القاهرة فى نهاية الستينيات من القرن العشرين شابًا نابهًا محبًا للعلم، سرعان ما تفوق ليصبح من أوائل دفعته ويكون محط أنظار أساتذته الذين لمسوا فيه باحثًا واعدًا، فرسالته للماجستير حول «الاتجاهات الكلاسيكية والنقدية فى علم الاجتماع» مازالت مرجعًا مهمًا لكافة المشتغلين والدارسين لعلم الاجتماع لا فى مصر وحدها بل فى العالم العربى.. إن لم يكن فى العالم، وتأتى رسالة الدكتوراه ليستكمل فيها مسيرة التميز النظرى والمنهجى الذى بدأه فى رسالة الماجستير، فيقدم دراسة مهمة فى علم الاجتماع السياسى حول جماعات الصفوة القديمة والجديدة فى الريف المصرى تكشف عن وجه آخر من مهارة التمرس فى الإبداع النظرى والمنهجى والقدرة على قراءة جانب من الواقع الاجتماعى وفهمه وتأويله تأويلا أدهش كل من قرأ هذا العمل.

 

مثلت كتاباته ريادة علمية فى العديد من الموضوعات، فكان له السبق فى الاهتمام على مستوى البحث الميدانى فى علم الاجتماع بموضوعات الاستهلاك، والحياة اليومية، والخطاب الدينى والعنف ومنها موضوعات تضمنت طرحًا علمًا مبتكرًا على المستوى النظرى والمنهجى، وفى مجال آخر اهتم أحمد زايد بدراسة مسار الحداثة فى مصر بداية بمقالته «حول الإسلام وتناقضات الحداثة 1966 حتى كتابه حول «تناقضات الحداثة فى مصر» 2005.

تولى «زايد» العديد من المراكز والمناصب العلمية أهمها عميد كلية الآداب جامعة القاهرة سابقا (2005-2009) ومدير مركز البحوث والدراسات الاجتماعية(2003-2004)، ومقرر مجلس العوم الاجتماعية والسكان بأكاديمية البحث العلمى وعضو المجلس القومى للمرأة، ومستشار برنامج القضايا الاجتماعية بمركز المعلومات واتخاذ القراربمجلس الوزراء المصرى، ومستشار ثقافى لمصر بالرياض( 1998-2001)، وشارك فى العديد من الندوات التى أقامتها اللجنة الوطنية لليونسكو بمصر ولبنان والسعودية، وفى عدد من لجان اعتماد البرامج العلمية فى الجامعات على المستويين الوطنى والعربى، كما نال عضوية العديد من اللجان والجمعيات العلمية بالداخل والخارج، وحصد «زايد» العديد من الجوايز العلمية ومنها جائزة الدولة للتفوق العلمى والعلوم الاجتماعية عام 2004، وجائزة الدولة التقديرية عام 20076 وجائزة جامعة القاهرة للتميز فى العلوم الاجتماعية 2001، كما حصل «زايد على جائزة النيل فى العلوم الاجتماعية 2025.»الوفد» التقت الدكتور أحمد زايد مدير مكتبة الإسكندرية وهذا نص الحوار،،،،

< بداية.. نعيش أجواء معرض مكتبة الإسكندرية الدولى للكتاب فى دورته الحادية والعشرين..ما جديد هذه الدورة؟

- هذه الدورة تشهد توسعًا كبيرًا على مستوى عدد الناشرين والفعاليات الثقافية فى إطار حرص المكتبة على تطوير المعرض عامًا بعد آخر، ويضم هذا العام أكثر من 85 دار نشر إلى جانب سور الأزبكية الذى يتيح للجمهور الكتب بأسعار زهيدة، بالإضافة إلى تنوع البرنامج الثقافى والذى يشهد طفرة كبيرة، فقد زاد عدد الفعاليات من 150 فعالية إلى 400 فعالية هذا العام بواقع (7-10) فعاليات فى اليوم، ويستضيف البرنامج الثقافى ما يقرب من ألف متحدث من المثقفين والشعراء والأدباء وأساتذة الجامعات والمفكرين، فنحن نحرص على تمثيل مختلف الأطياف الثقافية والفكرية المصرية بالمعرض، وهناك دعم لا محدود من قبل القيادة السياسية، والذى أسهم فى استمرار المكتبة فى أداء رسالتها الثقافية والمعرفية، وقد أضفنا هذا العام جديدًا، حيث أطلقنا سلسلة أفلام وثائقية بعنوان «عيون مصر» تهدف لتوثيق الآثار المصرية الموجودة فى الخارج والتى تعرض فى عدد من الماحف العالمية بالولايات المتحدة وفرنسا وإنجلترا، وهذه الأفلام ستعرض لإتاحة الفرصة أمام الشباب والأطفال للتعرف على الامتداد الحضارى والثقافى لمصر فى مختلف أنحاء العالم، وبالإضافة إلى استمرار تنظيم المسابقة الوطنية للقراءة فى نسختها الثانية والتى تستهدف الشباب دون سن الأربعين بالتوازى مع جائزة مكتبة الإسكندرية الكبرى للقراءة، فالكتاب سيظل المصدر الأول للعلم والمعرفة مهما شهد العالم من تطور فى الوسائل التكنولوجية.

< مقولتكم الشهيرة «أنه لا تنمية دون ثقافة» ماذا تقصد بها وما مفهوم الثقافة لديها التى تقتصر على النخب أم الثقافة الشاملة؟

- بالطبع لا تنمية دون ثقافة، لأن الثقافة هى عماد الحياة، والثقافة هى مخططات الحياة التى تمكننا من أن نكون رؤية للعالم، وأن نتعامل مع بعضنا البعض، وأن نثق فى أنفسنا وأن نتصور للمستقبل وأن يكون لدينا القدرة على أن نتعامل مع البيئة، وأن نسخر كل ما لدينا من إمكانيات فى هذه البيئة من أجل التقدم، والثقافة هى التى تعيننا على الابتكار والإبداع، ولذلك لا تنمية بغير ثقافة، فالثقافة هى عماد التنمية وكلما ارتقت المجتمعات فى أطرها الثقافية ارتقت فى الأطر التكنولوجية، وقد أذكر هنا بمسار التطور فى المجتمعات الغريبة، فالنهضة الغربية بدأت بالفن فى إيطاليا، انبثقت من عيون الموناليزا ولوحات دافنشى ومايكل أنجلو وغيرهما من الفنانين الإيطاليين ثم تحولت بعد ذلك إلى الفكر، حيث كتب ديكارت مقاله الشهير فى المنهج «أنا أفكر إذن أنا موجود» طرح هذه المقولة المهمة جدًا التى وضعت أسسًا للتفكير وأن التفكير العقلى هو أساسى الوجود، وأنه كلما فكر الإنسان كان موجودًا، وهذا الفكر ارتقى بعد ذلك بشكل أجود وأجمل فى أعمال فلاسفة عظام من أمثال «كانط» «وبيجل» وغيرهما، ثم ارتقى بعد ذلك فى فلسفة العقد الاجتماعى، حيث تم تحويل هذه الأطر الفلسفية إلى مواثيق سياسية أخلاقية أسست للدولة الحديثة، فالتقدم أصله ثقافى، فأوروبا قبل الثورة الصناعية كانت قد قطعت قرنين أو ثلاثية قرون فى الإنتاج الفنى والفلسفى والفكرى قبل أن تلج إلى الثورة الصناعية وإلى الثورة الفرنسية، الثورتين اللتين حولتا وجه أوروبا، فالثورة الصناعية حولتها على المستوى الاقتصادى، والثورة الفرنسية حولتها على المستوى السياسى ولكن كان قبل الثورتين هناك تراث فلسفى وفنى وأخلاقى كبير جدًا وممتد عبر 3 قرون تقريبًا من الزمان، التى أنتجت هاتين الثورتين، فالثقافة لا شك هى عماد التنمية، وأن إهمال الجوانب الفنية والتذوق الفنى وإهمال المنتجات الأدبية والفلسفية وكل الأشكال الثقافية التى يمكن أن تنهض بالمجتمع، يؤدى إلى حالة من العجز والركود، وكان كانط له مقولة شهيرة كتبها فى صدر مقاله الشهير عن التنوير، إن التنوير هو الخروج من دائرة القصور والعجز فى استخدام العقل، فإذا كانت الثقافة هى التى تدعونا إلى استخدام العقل، فمعنى ذلك أنها الطريق إلى التنوير، الطريق إلى الخروج من دائرة القصور ودائرة العجز كما يقول كانط، فالعقل هو نبراس الثقافة، والأساس الذى تقوم عليه كل المكونات الثقافية، نعم الثقافة هى عماد التنمية.

< فى رأيك هل هناك تخوف على سبيكة الهوية العربية جراء الغزو الثقافى من الدول الكبري؟

- أتصور أن موضوع الغزو الثقافى يحتاج إلى مراجعة، لأن المجتمعات العربية تتفاعل مع العالم، ولا يجب أن تنعزل عنه، وليس هو غزوًا ثقافيًا، كل المجتمعات فى العالم تعيش نفس الظرف الذى يسمى ظرف «العولمة» وهو ظرف الغلبة فيه للثقافة الغربية هى التى تنتشر، والتكنولوجيا المتقدمة ووسائل الاتصال المتقدمة، وعلى الشعوب أن تستجيب لهذه التغيرات بطريقة معينة، فالمشكلة هنا ليست فى الغزو الثقافى، فهو ليس غزوًا، ولكن المشكلة فى التعامل مع هذه الأشياء الجديدة، وهذا السؤال الذى يجب أن يطرح بطريقة مختلفة وهو كيف يمكن للعرب أن يتفاعلوا مع كل هذه المعطيات المتغيرة فى العالم؟، وأعتقد أن فى كل دولة تختار طريقها الذى ترتضيه، لكن دائمًا الاختيارات العقلانية التنافس شديد جدًا، تنمية الإبداع، بحيث تسهم المجتمعات العربية فى مشروع الحضارة الغربى أصلًا، أو فى مشروع الحضارة المعاصر وليس فكرة الغزو الثقافى، فالغزو الثقافى مفهوم انسحابى، أى أننا ضعاف تغزونا الثقافة فنضيع، ولكن القضية أننا نعيش فى منظومة عالمية، وعلينا أن نتلقى هذه الثقافة ونتفاعل معها ولكن لا بد أن تكون لدينا القدرة أيضًا على أن نسهم فى التراث العالمى، بالعلم والابتكار والإبداع، فالتنافس الآن فى مجتمع المعرفة، أن نصل إلى مستويات عليا فيما يتصل بمجتمع المعرفة، فيما يتصل باستخدام مستويات الابتكار والإبداع، فيما يتصل بتنمية السياق نفسه الحاضن لمجتمع المعرفة فى الأسرة والإعلام والثقافة العامة فى المجتمع، فهو الذى يخلق الأطر التكيفية مع العالم المعاصر، وليس فكرة الغزو والانسحاب.

< ماذا عن آليات استخدام الذكاء الاصطناعى داخل المكتبة؟

- المكتبة بها قطاع لتكنولوجيا المعلومات من أكثر القطاعات تقدمًا فى العالم العربى، ولدينا مهندسون على درجة عالية جدًا من الكفاءة، وهم قادرون على تقديم أشياء مبتكرة بشكل دائم، ويكتبون أبحائًا وينشرونها فى مؤتمرات عالمية، ولذلك هم يواكبون كل التطورات العالمية ونستطيع أن نشير إلى تطورين مهمين، الأول هو الذكاء الاصطناعى ويستخدمونه فى إعداد بعض البرامج التى تمكن الزائر من زيارة المتحف من خلال الذكاء الاصطناعى وتحويل قطاعات المكتبة إلى قطاعات رقمية، بحيث يستطيع الزائر أن يرى أشياء دون الدخول فى تفاصيلها، والشيء الثانى هو الدخول إلى عالم الكمبيوتر الكمى، وهو نوع جديد من الحاسبات لم ينتشر كثيرًا فى السوق حتى الآن ولكن عقدوا مؤتمرًا مع جهات خارجية حتى تقتنى المكتبة كمبيوتر كميا والذى سيكون له نظام مختلف عن الكمبيوتر التقليدى، لديه القدرة على صناعة حسابات وتحليل بيانات أكثر ملايين المرات الكمبيوتر العادى.

< هل ترى أن المؤسسة الدينية فى مصر وعالمنا الإسلامى نجحت فى مراجهة التيارات المتطرفة؟

- هى تحاول مواجهة هذه التيارات بأسلوبها وطريقتها، إنما هى محاولات غير كافية، فمواجهة التطرف لا تحتاج الدين فقط، فهى تحتاج للدين فى تغيير طريقة الخطاب وتوجهاته ناحية العالم، ومفهومه عن العلاقة بين الإنسان وبين العالم الدينى أو العالم المقدس، وهو جهد مشكور، والأزهر والكنيسة يبذلان جهدًا كبيرًا، لكن التطرف لا يتم القضاء عليه من خلال الخطاب الدينى فقط، فالخطاب الدينى عنصر واحد، لكن هناك عناصر ثانية مثل القراءة، فهى مهمة جدًا- من وجهة نظرى- فى التغيير، وأن يطلع الشباب على تراثات أخرى غير التراث الذى يعيشون داخله، ولذلك أصدرنا سلسلة «تراث الإنسانية» للنشء داخل المكتبة، أيضًا الفن من الأشياء التى تواجه التطرف مثل خلق الاهتمام بسماع الموسيقى، وتذوق الجمال، فنحن نحتاج جهودًا أخرى من مؤسسات الدولة الأخرى كالتعليم والثقافة بشكل عام وتذوق مستويات الجمال والتفتح ورؤية العالم بشكل مختلف، فالوعظ وحده ليس كافيًا.

< ما رؤيتكم لما يجرى على الأراضى الفلسطينية خاصة فى قطاع غزة؟

- بالرغم من بشاعة المشهد الإنسانى فإن الوضع الراهن أحيا القضية الفلسطينية ورفع الوعى بأهميتها، كما أن الأحداث التى جرت على أرض غزة أظهرت للعالم كله أن الصهيونية حركة عنصرية وليس لديها نية حقيقية لإرساء السلام ولا تعرف عنه شيئًا، والحمد لله مصر تقف إلى جوار الفلسطينيين ولم تتخل عن القضية الفلسطينية يومًا ما، وموقف القيادة السياسية واضح وصريح بتأييد الفلسطينيين ورفض التهجير منذ بداية التصعيد، أو الاعتداء على الحقوق المصرية، وهو موقف مشرف، وكل ذلك دافع لتوحيد العرب، ولا بد أن يدركوا أن تحقيق أهدافهم ليس بتبعية إسرائيل وأمريكا، ولكن بالسعى نحو التنمية، ولذلك فإن مصر هى أكبر دولة داعمة للقضية الفلسطينية منذ اندلاعها وتساند الشعب الفلسطينى، ولا يمكن المزايدة على دورها الوطنى، ومحاولات المزايدة على موقف مصر من القضية الفلسطينية ليست خافية على أحد، خاصة فى عصر الشائعات والسوشيال ميديا التى تسعى للنيل من مصر وتشويه دورها وصورتها، لكن مصر لن تلتفت إلى هذه المحاولات البائسة، لأنها تؤمن بحق الشعب الفلسطينى، وقد استطاعت التصدى لمحاولات تصفية القضية الفلسطينية بعد محاولات مريرة من قبل العدو الغاشم.

< مرت ذكرى 30 يونيو خلال الأيام القلائل الماضية كيف قرأت أحداث هذه الثورة؟ وهل كان لها تأثير لديك على كتاباتك؟

- ثورة 30 يونيو أحدثت انفراجة انعكست على المجتمع والنفس معًا، فالإنسان يعيش داخل مجتمعه، وما يمر به من قيود أو انفتاح ينعكس مباشرة على مشاعره وإحساسه بالحزن أو الفرح، والذات البشرية بطبيعتها تبحث عن الحرية والاستقلال، وأى حالة خضوع يعيشها الإنسان لا تعبر عن طبيعته ولكنها تكون نتيجة للظروف والسياق المحيط به، وعلى المستوى الشخصى فالأجواء التى أعقبت ثورة 30 يونيو انعكست بدورها على كتاباتى، حيث بدأت نبرة النصوص تتغير وتحمل قدرًا أكبر من التفاؤل والشعور بالانفراج، فالآمال المرتبطة بالحفاظ على الهوية المصرية وتجديد المجتمع تفتح أمام الإنسان آفاقًا أوسع للتفكر والإبداع.

< كيف ترى مستقبل الثقافة فى ظل ما تشهده المنطقة العربية من تحولات مجتمعية مستدامة؟

- الثقافة بوصفها تشكل الأطر الفكرية ومخططات الحياة التى توجه مسيرة الحياة فى المجتمع والتى تشكل أساليب حياة الناس ورؤيتهم للعالم، وكثيرًا من عاداتهم وتقاليدهم ومعتقداتهم، هذه الثقافة هى التى تشكل فعل الوعى وهى التى تشكل أيضًا فعل التأطير المستقبلى، وسؤالنا هو حول المستقبل، ما هو مستقبل الثقافة وما الدور الذي أن تلعبه الثقافة فى التكوين المستقبلى للمجتمعات العربية، هذا هو السؤال الذى يحب أن يطرح وأعتقد أنه إذا كنا نؤمن بأن الثقافة هى التى تشكل فعل الوعى، فإنها هى التى تشكل أيضًا فعل التأطير والتغيير المستقبلى، فلا بد أن يكون وعينا قادرًا على أن يدرك أولًا طبيعة التحولات العالمية، طبيعة التغيرات التى تحدث فى هذا العالم الذى يطلق عليه كثير من المسميات (عالم عدم اليقين، وعالم المخاطر، وعالم الفوضى، وإمبراطورية الفوضى كما يقول المفكر العربى «سمير أمين» رحمه الله، والعالم الذى يشهد تغيرات كثيرة وكبيرة جدًا ومتعددة الجوانب فى كل المجالات، فالعالم يموج بتدفقات يومية فى التكنولوجيا والأفكار وفى المعتقدات، فى الاجندات وفى التغيرات السياسية وفى الصراعات وفى كل الأطر والميادين تجد أن العالم يتغير يومًا بعد يوم وبسرعة شديدة، وهذه التغييرات تترك آثارًا كبيرة على المجتمعات العربية، ويجب أن ندرك طبيعة هذه الآثار، ويجب أن ندرك الدور التفكيكى لها، لأن هذه التغييرات التى تحدث على المستوى العالمى، تحدث على المستوى الأدنى على مستوى المجتمعات التى تدور فى فلك النظام العالمى تحدث فيها تغيرات تفكيكية هائلة فى مجال الثقافة على وجه الخصوص، وتجعل الناس فى هذه المجتمعات يتشاجرون حول العرق والسلالة وحول المستقبل والهوية ويتناقشون ويتجادلون فى جدالات عقيمة، قد تؤدى فى بعض الأحيان إلى الدخول فى صراعات، وقد تصل إلى أن يكون هناك عدم استقرار سياسى كما يحدث فى بعد البلدان العربية التى نراها الآن، نجد أن المجتمع نفسه يدخل فى حالة من الفوضى، يجب أن ندرك ذلك لكى نؤسس لفعل ثقافى ولفعل تغييرى متميز، يجب أن ندرك طبيعة هذه التحولات والتأثيرات الإيجابية والسلبية لها، وثمة تغيرات وآثار إيجابية كبيرة فيها فؤاد تكنولوجية وفوائد فى نقل المعلومات والمعارف وتشجيع الابتكار وكل المجالات المتصلة بمجتمع المعرفة، ولكن فى الجانب الآخر هناك آثار سلبية كثيرة يجب أن نعى بها ويجب أن يكون الفعل الثقافى فى هذه الحالة، موجهًا نحو التقليل من هذه الآثار نحو تحليق أطر ثقافية لدى الشباب تجعلهم على قدرة كبيرة من الوعى بهذه التغييرات والوعى بتراث وتشكيلات العالم، ومن الناحية الأخرى، ثانيًا يجب أن يساعدنا الوعى على أن نفهم طبيعة التغييرات التى تحدث فى المجتمعات العربية نفسها، على مستوى الوطن العربى كله، طبيعة التحالفات والتغييرات وطبيعة الصراعات الظاهرة وغير الظاهرة بين التكوينات العربية المختلفة، وأن نعى أيضًا بالتغييرات داخل كل دولة على حدة وداخل كل مجتمع على حدة والتغييرات فى البنية الطبقية والتغييرات فى طموحات وتكوينات الشباب، خاصة أننا لدينا كتلة شبابية هائلة فى الوطن العربى، ويجب أن تكون هذه الكتلة محل اعتبار ونظر من وجهة النظر الثقافية، يجب أن تلعب الثقافة بجانب التعليم دورًا كبيرًا فى التأطير الصحيح العلمى والفكرى والفنى والوجدانى لهذه الفئات العريضة من الشباب بدلًا من أن نتركها تتعرض لتأثيرات سلبية من فرط وعمق التواصل أو الدخول فى عالم التواصل الاجتماعى، وثقافة الاستهلاك التى تفرضها العولمة من ناحية أخرى، لا يجب أبدًا أن نترك الشباب لكى تنمو غريزتهم على حساب عقولهم، لابد أن نبنى العقول وأن نوطن الوجدان ولا بد أن نكوِّن هؤلاء الشباب تكوينًا معرفيًا ووجدانيًا ونفسيًا يمكنهم من أن يواجهوا هذا العالم المتغير وأن يعرفوا أوله من أخره وأن يفهموا أن العالم قد تشكل من خلال إسهامات كبيرة جدًا من ضمنها الإسهامات العربية، وليست الإسهامات العربية أو الإسلامية هى الوحيدة، وإنما هناك إسهامات ضخمة جدًا تمتد من الحضارات القديمة إلى العصور الحديثة، فهم فيها مفكرون وفلاسفة ورجال فقه وفنانون، رجال سياسة، فيجب أن نؤطر هذا الوعى الشبابى، وهذا هو الدور الذى يجب من-وجهة نظرى- أن تلعبه الثقافة فى المستقبل، وأن يكون لها دور فى بناء الوعى الإنسانى الثانوى وفى بناء الوعى بالمتغيرات العلمية وفى بناء التأطير الأخلاقى القوى الذى يؤدى إلى انبعاث أخلاقى رهيب يجعل المجتمعات العربية قادرة على أن تكون لديها قدرة على أن تخرج من دائرة القصور وأن تتجاوز دائرة التقاليد ودائرة الماضى لتنطلق إلى آفاق العقل والتأمل والنظر فى الذات فى مقابل اكتشاف المشكلات التى تظهر فى العالم وأساليب التعامل معها، وتلك مهمة كبرى بلاشك..

< أخيرًا.. ماذا عن إطلاق مشروع رقمنة الكتب صوتيًا داخل مكتبة الإسكندرية؟

- لا شك أن العصر المقبل هو عصر الرقمنة، ولذلك فإنه يفرض علينا اعتبارات كثيرة جدًا أن تكون مكتبة لها مواصفات تختلف كثيرًا عن المواصفات التى نعرفها اليوم.. فقد لا نرى مكتبة فى المستقبل ليس فيها كتب ورقية، فمن الممكن أن تكون المكتبة كلها ديجيتال والقراءة والاستعارة الديجيتال وكل شىء ديجيتال، هذه هى النقطة الأولى، أما النقطة الثانية فإننا يجب أن نتواكب مع هذا التحول الكبير، ونحاول أن نحول أكبر عدد ممكن من الكتب إلى كتب «مرقمنة»، ومكتبة الإسكندرية تتواكب كثيرًا مع هذا التوجه، وتحول عدد كبير جدًا من كتبها، ومن الممكن أن يكون نصف الكتب أو اكثر من نصف الكتب الموجودة فى المكتبة هى كتب مرقمنة الآن، ولدينا إمكانيات ضخمة للرقمنة، فلدينا معمل كبير لديه حرفية شديدة فى رقمنة الكتب وفى تدقيقها، وفى إخضاعها لبرامج الرقمنة الحديثة، فالرقمنة التى يمكن من خلالها أن تتصفح الكتاب وتتجول داخله باسم المؤلفين أو اسم الموضوع، فهناك بعض التطبيقات التى يمكن استخدامها للمساعدة على قراءة الكتاب المرقمن، أما النقطة الثالثة تتعلق بالرقمنة الصوتية، فقد بدأنا هذا الاتجاه، ونحن الآن فى الألف الأولى فى هذا الصدد، وهذه المكتبة مهمة جدًا للمكتبات الخاصة بالمكفوفين ولدينا داخل المكتبة مكتبة مخصوصة لهذه الفئة تمكنهم من القراءة واستخدام التطبيقات الحديثة فى الكمبيوتر لقراءة الكتب، أو النصوص المكتوبة بشكل «وورد» يمكن قراءتها من خلال هذه البرامج التى تستخدم الصوت مع الكلمة، بحيث من لديه عدم القدرة على القراءة بعينيه يستطيع أن يقرأ من خلال هذا التطبيق عبر جهاز الحاسب الآلى، ويستطيع أيضًا أن يكتب، وكل هذه الأمور تضعها المكتبة فى اعتبارها وتتعامل تعاملًا دقيقًا ومحكمًا من أجل أن تواكب التطور الحادث فى المستقبل فى العالم الذى يتوقع أن يكون فى المستقبل مرقمنًا بالكامل.