فى طريقى قبل أيام من الإسكندرية إلى بيلا لزيارة الأهل، مررت بعدد من لجان الثانوية العامة. لم يكن المشهد داخل اللجان هو ما شدّ انتباهى، بل ما كان خارجها. آباء وأمهات وأجداد وإخوة يقفون فى الحر، يحدقون فى الأبواب المغلقة، كأنهم هم الذين يؤدون الامتحان. وفى لجنة أخرى خرج بعض الطلاب باكين؛ لم يكن البكاء بسبب سؤال واحد، بل لأن الوقت لم يسعفهم، ولأن الامتحان بدا لهم أصعب مما توقعوا.
عندها أدركت مرة أخرى أن الثانوية العامة لم تعد امتحان طالب، بل امتحان أسرة كاملة. وإذا كانت أزمة تمس ملايين الأسر، فهى أزمة وطنية تستحق مراجعة شجاعة، لا مجرد بيانات تطمين تتكرر كل عام.
كل صيف تتجدد الشكاوى نفسها: الرياضيات صعبة، والكيمياء أعقد من المتوقع، وحتى اللغة العربية لم تسلم من الاعتراضات. لكن المشكلة ليست فى مادة بعينها، بل فى فلسفة نظام ما زال يربط مستقبل مئات الآلاف بامتحان مركزى واحد، وتصحيح مركزى واحد.
لقد آن الأوان لنسأل: لماذا هذه المركزية المطلقة؟
أليس فى مصر آلاف المدارس وعشرات الآلاف من المعلمين الأكفاء؟ وإذا كنا لا نثق فى المدرسة، ولا فى المعلم، ولا فى المصحح، فما معنى أن يكونوا أساس المنظومة التعليمية أصلًا؟
إن المركزية المفرطة لا تعكس قوة الإدارة بقدر ما تكشف عن أزمة ثقة. فالوزارة تحتكر الامتحان والتصحيح والنتيجة، لأن المنظومة لا تزال تخشى تفاوت الأداء أو ضعف الرقابة. لكن علاج ضعف الرقابة ليس سحب كل السلطات إلى المركز، بل بناء معايير موحدة، وتدريب جاد، ومحاسبة شفافة.
فالعدالة لا تعنى أن يكتب جميع الطلاب الورقة نفسها، ويخضعوا للمصير نفسه، بل أن يحصل كل طالب على تقييم منصف ودقيق أينما درس. وهذا ما تطبقه دول كثيرة من خلال معايير وطنية موحدة، مع منح المدارس والأقاليم دورًا أكبر فى إعداد الامتحانات والتصحيح تحت رقابة صارمة.
إن مصر لا تحتاج إلى امتحانات أشد قسوة، بل إلى منظومة أكثر حكمة. منظومة تعيد الثقة إلى المعلم، وتردّ إلى المدرسة مكانتها، وتجعل الأسرة شريكًا فى التربية لا أسيرًا للخوف. فما من أمة تستطيع أن تبنى مستقبلها، بينما يعيش ملايين الآباء والأمهات عامًا كاملًا على وقع العدّ التنازلى ليوم امتحان.
ويبقى السؤال الذى يطرق أبوابنا كل صيف: ماذا نريد أن نقيس؟ علم أبنائنا، أم قدرتهم على الاحتمال؟ فإذا خرج الطالب من اللجنة وقد استنفد أعصابه قبل أن يستنفد علمه، فقد أخفق الامتحان، مهما بلغت دقة أسئلته.
فالامتحانات وُجدت لتخدم التعليم، لا ليصبح التعليم كله خادمًا لامتحان. وحين تتحول الثانوية العامة من وسيلة لقياس المعرفة إلى موسم وطنى للخوف، فإن الذى يحتاج إلى إعادة النظر ليس الطالب، بل النظام نفسه. وللحديث بقية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض